أسيمة حسن
ثمة فنانون يرسمون المكان، وثمة فنانون يتحول المكان في أعمالهم إلى ذاكرة وهوية. وغسان جديد واحد من أولئك الذين لم يرسموا طرطوس بقدر ما استعادوها؛ استعادوا طفولتها، وأزقتها، وبيوتها القديمة، ومراكبها، وبحرها، كما بقيت في الذاكرة، لا كما تراها العين فقط.
ابن طرطوس، المولود عام 1946، وخريج كلية الفنون الجميلة بدمشق عام 1971، استطاع خلال تجربته الفنية الطويلة أن يؤسس لنفسه لغة بصرية خاصة، تقوم على التعبيرية ذات المنحى الفطري، وعلى مزاوجة لافتة بين الذاكرة والخيال، وبين مفردات الواقع المحلي وإيحاءات السريالية. وقد شارك في عشرات المعارض داخل سورية وخارجها، وترك حضوره في تجارب ومعارض عربية ودولية.
لكن أهمية غسان جديد لا تختصرها كثرة المشاركات، بل تكمن في خصوصية العالم الذي صنعه على سطح اللوحة.
طرطوس القديمة والبحر هما بطلا هذا العالم. يبدوان أحيانًا وكأنهما يتصارعان داخل اللوحة: المدينة تريد أن تحتفظ بحجارتها وبيوتها وأبوابها، والبحر يفتح أمامها أفقًا لا نهاية له. وبين اليابسة والماء، تولد حكاية غسان جديد.
في لوحاته، لا تبدو المفردات مجرد عناصر تشكيلية؛ فالبيت يحمل ذاكرة، والنافذة تستعيد وجهًا غائبًا، والمركب يحكي عن رحلة، والحارة تختزن زمنًا كاملًا. حتى التفاصيل الصغيرة تبدو وكأن لها سيرة خاصة.
أما اللون، فليس زينة للسطح، بل لغة موازية. الأزرق البارد يستحضر البحر والمسافة والحلم، فيما يأتي الأحمر الدافئ كنبض للذاكرة والحياة. وبين البرودة والدفء ينشأ ذلك التوتر الجميل الذي يمنح اللوحة حيويتها.
ولعل أكثر ما يميز غسان جديد أنه استطاع أن يحافظ على عفوية تبدو قريبة من الرسم الفطري، من دون أن يفقد وعيه بالتكوين والخط والإيقاع. تبدو لوحته للوهلة الأولى بسيطة، لكن هذه البساطة تخفي وراءها علاقة عميقة بين الشكل والذاكرة.
إنه لا يرسم طرطوس كما هي، بل كما سكنت فيه.
ولهذا، فإن البحر عند غسان جديد ليس خلفية، والمدينة ليست موضوعًا؛ كلاهما جزء من تكوينه الداخلي. وكلما حاول أن يبتعد عن طرطوس، عادت إليه من نافذة، أو بيت، أو مركب، أو بقعة زرقاء.
وربما هنا تكمن فرادة تجربته:
لقد جعل من مدينته لغة تشكيلية، ومن ذاكرته مادة للوحة، ومن البحر ذاكرة مفتوحة لا تنتهي.
فطرطوس في أعمال غسان جديد ليست مكانًا نراه؛
إنها مكان نتذكره

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

