أسيمة حسن
تقول الحكمة:
“إذا رأيت أوراقًا من العمر تتساقط، فلا تنحنِ لتلتقطها… انظر إلى ما تبقّى على أغصانك، فربما تجد فيه ما يعوّضك”.
ولعل هذه الحكمة تشبه السوري اليوم أكثر مما تبدو للوهلة الأولى.
نحن نعيش مرحلة مختلفة؛ مرحلة يحاول فيها الناس إعادة ترتيب حياتهم، واكتشاف كيف يمكن أن يبدأوا من جديد، وسط واقع اقتصادي واجتماعي لا يزال مثقلًا بالتحديات.
تتزايد العودة إلى المدن والقرى، لكن معها تتزايد أسئلة العمل والسكن والخدمات والتعليم والاستقرار. فالعودة إلى المكان لا تعني دائمًا العودة الفورية إلى الحياة التي عرفناها ذات يوم.
وهنا تحديدًا تصبح الحكمة أكثر واقعية.
كم من شاب سوري سقطت من يده سنوات من الدراسة أو العمل، لكنه ما زال يمتلك القدرة على التعلّم والبدء من جديد؟ وكم من خريج يحمل شهادة، لكنه يبحث اليوم عن فرصة لا تأتي بسهولة؟ وكم من عائلة عادت إلى بيتها، لتكتشف أن البيت نفسه يحتاج إلى أن يُبنى من جديد، وأن معنى “العودة” أكبر بكثير من مجرد فتح باب المنزل؟
وتشير تقارير حديثة إلى استمرار صعوبات العمل وارتفاع معدلات البطالة، إلى جانب الضغوط المرتبطة بالخدمات والتعليم في بعض مناطق العودة.
وفي حياتنا الاجتماعية أيضًا، سقطت أوراق كثيرة.
صداقات تبدّلت، وعلاقات انكشفت حقيقتها، وعائلات تباعدت، وأشخاص كانوا جزءًا من تفاصيل أيامنا أصبحوا مجرد أسماء في الذاكرة.
لكن ربما لم يكن المطلوب أن نستعيد كل ما سقط، بل أن نعرف من يستحق أن يبقى على الأغصان.
لقد تعلّمنا، ولو بقسوة، أن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد من حوله، وأن كثرة العلاقات لا تعني بالضرورة كثرة السند. فأحيانًا يكفي شخص واحد صادق، ليعادل عشرات الوجوه العابرة.
وفي المقابل، هناك أوراق جديدة بدأت تنبت…
شباب يطلقون مشاريع صغيرة، وعائلات تعيد بناء حياتها، وأمهات يعدن أبناءهن إلى المدارس، ومغتربون يفكرون في العودة، وأناس يرفضون أن يكون الماضي سقفًا لمستقبلهم.
قد تكون البدايات متواضعة، وقد يكون الطريق طويلًا، لكنها تظل دليلًا على أن الشجرة لم تمت.
لذلك، ربما آن لنا، كسوريين، أن نتوقف قليلًا عن عدّ ما فقدناه، وأن نطرح سؤالًا مختلفًا:
ماذا بقي لدينا؟
بقيت الخبرة، والقدرة على الاحتمال، والحنين، والمهارات، والأبناء، والأصدقاء الحقيقيون، والأرض، والذاكرة… والأهم من كل ذلك: الرغبة في الحياة.
فليس المطلوب أن ننسى الأوراق التي سقطت، ولا أن ننكر وجعها؛ المطلوب فقط ألا نبقى منحنيين فوقها إلى الأبد.
فالشجرة التي عرفت خريفًا طويلًا لا تُقاس بما فقدته من أوراق، بل بقدرتها على أن تُخرج براعم جديدة.
وربما يكون أجمل فصول حياتنا… ذلك الفصل الذي لم يبدأ بعد.
(موقع :أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

