رئيس التحرير:هيثم يحيى محمد
تمر سورية اليوم بمرحلة مفصلية في تاريخها الحديث، مرحلة تحمل كثيراً من الآمال والتحديات في آن واحد. فخلال الفترة الأخيرة تحققت تطورات مهمة على المستويين الداخلي والخارجي، من بينها دمج “قسد” ضمن مؤسسات الدولة، وتحسن العلاقات مع المحيطين العربي والإقليمي والدولي، وصولاً إلى القرار الأميركي في 24 آب 2026 بإلغاء تصنيف سورية دولة راعية للإرهاب، في خطوة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الانفتاح الاقتصادي والسياسي.
وهي تطورات مهمة لا ينبغي التقليل من شأنها، لأنها تعني أن سورية بدأت تستعيد موقعها الطبيعي في محيطها وفي المجتمع الدولي، وأن أبواباً كانت مغلقة طويلاً بدأت تُفتح أمام الدولة السورية وشعبها.
لكن، في المقابل، فإن الانتصار الحقيقي لا يصنعه الخارج وحده.
فكل نجاح تحققه الدبلوماسية السورية، وكل انفتاح إقليمي أو دولي، يحتاج إلى أرضية داخلية قوية ومستقرة قادرة على حمايته وتحويله إلى واقع ملموس في حياة السوريين. والعلاقات الدولية، مهما بلغت أهميتها، لا تستطيع أن تعوض ضعف مؤسسات الدولة أو غياب الاستقرار الداخلي.
من هنا تبدو تمتين الجبهة الداخلية المهمة الأكثر إلحاحاً في المرحلة المقبلة.
وتبدأ هذه المهمة بترسيخ الأمن والأمان في جميع المناطق، وبناء مؤسسات أمنية وعسكرية ومؤسسات عدلية ومجالس محلية تعمل وفق القانون وتحت مظلة الدولة، بحيث يشعر المواطن أن الدولة موجودة لحمايته وصون حقوقه، لا باعتبارها سلطة فوق المجتمع.
كما أن الجبهة الداخلية القوية تحتاج إلى مصالحة وطنية حقيقية، وإلى طمأنة جميع السوريين، بمختلف انتماءاتهم ومناطقهم ومكوناتهم، بأن سورية الجديدة تتسع للجميع، وأن “المواطنة المتساوية” هي الأساس في العلاقة بين المواطن والدولة.
ولا يقل عن ذلك أهمية توفير العدالة ومحاسبة من ارتكب الجرائم وفق القانون، بعيداً عن الانتقام والثأر، لأن دولة القانون لا تُبنى بردود الأفعال، وإنما بمؤسسات قادرة على تحقيق العدالة وحماية الحقوق.
والاستقرار السياسي والاجتماعي يحتاج كذلك إلى معالجة جدية للملفات المعيشية والاقتصادية. فالمواطن الذي يبحث عن الأمان وفرصة العمل والدخل الذي يؤمّن له حياة كريمة هو جزء أساسي من الجبهة الداخلية. وكل تحسن في الاقتصاد والخدمات وفرص العمل سيكون، في حد ذاته، دعماً للاستقرار الوطني.
إن سورية اليوم أمام فرصة تاريخية، لكن الفرص لا تتحول إلى إنجازات دائمة إلا إذا استندت إلى الداخل. وما تحقق من خطوات في العلاقة مع الخارج يجب أن يكون مدخلاً لتقوية الدولة، وليس بديلاً عن بنائها.
وقد أثبتت التطورات الأخيرة أن توحيد مؤسسات الدولة وتعزيز قدرتها على مكافحة الإرهاب وحماية المواطنين يمثلان جزءاً أساسياً من استعادة سورية لدورها الإقليمي والدولي.
ومن هذا المنطلق، فإن الحرص على نجاح السلطة الحالية لا يعني التغاضي عن الأخطاء أو التخلي عن النقد، بل يعني دعم كل خطوة صحيحة تساعد على بناء دولة مستقرة وقادرة وعادلة، والتنبيه إلى كل ما يمكن أن يعرقل هذا المسار.
فليس المطلوب من السوريين أن ينتظروا الخطر حتى يأتي من الخارج، بل أن يجعلوا وطنهم قوياً من الداخل إلى درجة يصعب معها على أي جهة تريد شراً بسورية أن تجد منفذاً إليها.
إن الجبهة الداخلية المتماسكة هي خط الدفاع الأول عن سورية الجديدة، والأمن والأمان والاستقرار ودولة القانون هي الحصن الذي يحمي كل نجاح يتحقق في الخارج. وإذا كانت سورية قد بدأت تستعيد مكانتها الدولية، فإن التحدي الأكبر الآن هو أن تستعيد قوتها وثقة كل أبنائها واستقرارها من الداخل، يوماً بعد يوم
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
