آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » العالم بعد الهيمنة

العالم بعد الهيمنة

 

د. سلمان ريا

 

لم يسقط العالم القديم بعد، لكن قواعده بدأت تتصدع.

 

منذ نهاية الحرب الباردة، عاش العالم في ظل قوة أمريكية مهيمنة عسكرياً ومالياً وسياسياً. لكن صعود الصين، وعودة روسيا، وتنامي دور الهند ودول الجنوب العالمي، تشير إلى أن مركز الثقل الدولي يتحرك تدريجياً من عالم أحادي القطبية إلى عالم متعدد المراكز.

 

المفارقة أن الولايات المتحدة لا تزال القوة الأقوى. المسألة ليست سقوطها، بل تراجع قدرتها على أن يكون العالم نفسه منضبطاً في إيقاعه وفقاً لها.

 

وهنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ: قد تتراجع الهيمنة من دون أن تتراجع القوة.

 

أوروبا تقدم نموذجاً آخر لهذه المعضلة. فهي قوة اقتصادية هائلة، لكنها لم تحسم بعد معادلة الاستقلال الاستراتيجي. تريد أن تكون قطباً عالمياً، بينما لا تزال تعتمد بدرجة كبيرة على المظلة الأمنية الأمريكية. وكلما ازداد القرار الأوروبي مركزية في بروكسل، عاد السؤال حول الحدود بين التكامل الأوروبي وسيادة الدول الأعضاء.

 

المشكلة ليست في الوحدة الأوروبية، بل في أن تتحول الوحدة من وسيلة لتجميع القوة إلى مركزية تفصل القرار عن المجتمعات التي يفترض أن تمنحه الشرعية.

 

أما الولايات المتحدة، فقد تكون أمام مشكلة أعمق من المنافسة الصينية أو الروسية: أزمة الثقة.

 

فالقوة العسكرية تستطيع أن تفرض الردع، والدولار يمنح واشنطن نفوذاً استثنائياً، لكن النظام الدولي لا يعيش بالقوة وحدها. عندما تتحول الأدوات المالية والتجارية إلى وسائل ضغط سياسية متكررة، تبدأ الدول في البحث عن بدائل تقلل اعتمادها على النظام الذي تقوده القوة المهيمنة.

 

وهنا يظهر التناقض: كلما أفرطت القوة في استخدام نفوذها، دفعت الآخرين إلى البحث عن وسائل تحد من هذا النفوذ.

 

لكن التعددية القطبية لا تعني ببساطة انتقال العالم من واشنطن إلى بكين، أو من الغرب إلى الشرق. جوهرها أن لا تكون هناك عاصمة واحدة تستطيع وحدها تحديد قواعد اللعبة.

 

وهذا قد يجعل العالم أكثر توازناً، لكنه لا يجعله بالضرورة أكثر أمناً.

 

فالمرحلة الانتقالية بين نظامين هي الأخطر: القوة القديمة لم تفقد أدواتها، والقوى الصاعدة تريد الاعتراف بمكانتها، والقوى المتوسطة تحاول توسيع هامشها، بينما تتحرك المؤسسات الدولية أبطأ من حركة الواقع.

 

الحرب في أوكرانيا هي إحدى ساحات هذا التحول، كما أن أوروبا قد تكون من أكبر المتأثرين به. فإذا خرجت من هذه المرحلة أكثر اعتماداً على الخارج وأقل قدرة على إنتاج قرار استراتيجي مستقل، فقد تتحول من قوة تصنع النظام إلى ساحة تتصارع فيها القوى.

 

نحن إذن أمام عالم لم يعد أحادي القطبية كما كان، لكنه لم يصبح متعدد الأقطاب بصورة مستقرة بعد.

 

إنه عالم بين نظامين.

 

والسؤال الحقيقي ليس: من سيكون الإمبراطور الجديد؟

 

بل: هل يستطيع العالم أن يبني نظاماً لا يحتاج إلى إمبراطور؟

 

فإذا نجحت القوى الكبرى في تحويل تنافسها إلى توازن، قد تكون التعددية القطبية بداية مرحلة أكثر استقراراً. أما إذا حاول كل قطب أن يرث الهيمنة القديمة، فلن يكون العالم قد غادر عصر الهيمنة؛ سيكون قد غيّر اسم المهيمن فقط.

 

وفي النهاية، قد لا تكون القوة هي العملة الأهم في النظام الدولي الجديد، بل الثقة: ثقة الدول بالقواعد، وثقة الشعوب بالمؤسسات، وثقة الجميع بأن القوة لن تتحول إلى حق دائم في فرض إرادة الأقوى

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هل هناك بصيص أمل للتوصّل إلى حل في المنطقة؟

  العميد الركن المتقاعد د. إلياس ابو جودة*   الواقع المرير الذي تعيشه دول المنطقة وخصوصاً إيران ولبنان يمكن تلخيصه بما يأتي:       ...