بقلم: علي نفنوف
دبي
لم يكن يوماً عادياً… ولا صعباً… كان يوماً أشبه بامتحان سماوي قاسٍ، لم يعبر دون أن يترك حكمة ربانية تقول: إن للأنقياء أثراً لا يزول، رغم أنف الموت.
في ذكرى رحيل الفنانة التشكيلية السورية سعاد سليمان محمد، لا نستعيد سيرة فنانة نبيلة عبر تواريخ الدراسة والمعارض وشهادات التقدير، ولا نستعيد تجربة إنسانية وفنية آمنت بأن اللون ليس زينة للعين، بل لغة أخرى للحياة… نحن أمام الحكمة التي آمنت بالأثر.
رحلت سعاد سليمان محمد في الحادي عشر من أيلول عام 2023، عن عمر ناهز التاسعة والخمسين، بعد معاناة مع المرض، تاركة تجربة لطيفة تنتمي إلى المشهد التشكيلي السوري، وتتشكل من تنوع الأمكنة والناس والطبيعة.
درست في كلية الفنون الجميلة، وتخصصت في الغرافيك وفن الحفر، وهو اختصاص يقوم في جوهره على الصبر واكتشاف الصورة الكامنة خلف السطح. وربما انعكس هذا الحس في تجربتها التي لم تستقر داخل إطار فني واحد. فكانت، بحق، كل عناوين الصبر والهدوء والرزانة والاتزان.
تنقلت بين الواقعية والانطباعية والتكوين والبورتريه والطبيعة والتجريد، واستخدمت الباستيل الزيتي والأكريليك. ولم يكن هذا التنوع بحثاً عن تعدد الأساليب بقدر ما كان محاولة للإصغاء إلى الموضوع واختيار اللغة التي تناسبه.
فالفنان لا يرسم العالم بطريقة واحدة… ولا يرى الظاهر فقط، بل يرسم الإحساس الذي لم يكن بمتناول العين.
تنقلت سعاد سليمان محمد بين أكثر من محافظة ومدينة، وكان لكل مكان أثره في ذاكرتها البصرية.
كما تركت أثرها في تلك الأمكنة، فالمدن لا تمنحنا عناوين جديدة فقط، بل تمنحنا وجوهاً وأصواتاً وظلالاً مختلفة.
ومن يعيش بين الأمكنة يحملها معه حتى بعد أن يغادرها.
لذلك بدا التنوع في موضوعاتها امتداداً طبيعياً لتجربة عاشت أكثر من جغرافيا وأكثر من ذاكرة.
وكانت الطبيعة حاضرة بقوة في أعمالها.
وهي ابنة قرية عين الزبدة… هذه القرية الحانية، صورة البحر بكل عذرية الليمون والزيتون…
لكن الطبيعة عند الفنان ليست مجرد منظر يُعاد نقله إلى اللوحة. إنها علاقة قديمة بين الإنسان والضوء، وبين العين والأفق. لهذا كانت الزهور والألوان وحواكير أمها وأصايص الورد على نوافذها، والعناصر الطبيعية في تجربتها، أقرب إلى الاحتفاء بالحياة منها إلى الوصف المباشر لها.
فاللوحة لا تعيد إنتاج الطبيعة… إنها تعيد اكتشافها بطريقة أخرى.
وفي مسيرتها، لم يكن المرسم بعيداً عن التعليم. سافرت إلى الإمارات العربية المتحدة، وعملت مدرسة لمادة الرسم، ثم عادت إلى سورية لتتابع عملها في معهد إعداد المدرسين بطرطوس.
وكان التعليم في تجربتها وجهاً آخر للفن.
فالمعلم الحقيقي لا يقدم للطالب طريقة جاهزة للرسم، هو يعلمه كيف يرى؛ أن يتوقف أمام الأشياء، وأن يكتشف أن العالم أكثر اتساعاً مما يبدو عليه في النظرة الأولى.
كما كان لها حضور في العمل الثقافي والنقابي، وانتُخبت رئيسة لفرع اتحاد الفنانين التشكيليين في طرطوس.
وكان لي شرف العضوية به آنذاك… وكانت فرحتي تتجاوز فرحتها في الفوز… انتخبناها بمحبة، فكان لها مقعد آخر.
وهنا تجاوز اهتمامها حدود تجربتها الفردية إلى الاهتمام بالمشهد التشكيلي وبالفنانين الذين يشكلون جزءاً من الحياة الثقافية للمكان.
شاركت في معارض وملتقيات فنية متعددة، وحصلت على جوائز في معارض للطفولة في بلجيكا وألمانيا، إضافة إلى شهادات تقدير خلال عملها في أبو ظبي.
لكن قيمة الفنان لا تختصرها الجوائز.
فالجوائز لحظة اعتراف، أما العمل الفني فهو اختبار الزمن.
قد تنتهي المعارض، وتُغلق القاعات، وتبقى لوحة واحدة قادرة على استدعاء صاحبها.
وهذا ما يمنح الفن معناه الآخر.
في تجربة سعاد سليمان محمد، كان الانتقال بين الواقعية والتجريد انتقالاً بين أكثر من طريقة لرؤية العالم. فالواقعية تقترب من الأشياء في ملامحها، بينما يحاول التجريد الوصول إلى ما وراء الملامح.
إلى ذلك المكان الذي لا تستطيع الكلمات أن تسميه.
فالإنسان لا يعيش داخل الواقع وحده.
في داخله ذاكرة وخوف وحنين وأحلام وأشياء لا شكل واضحاً لها.
وربما لهذا يحتاج الفنان أحياناً إلى أن يتخلى عن شكل الأشياء كي يقترب من حقيقتها.
رحلت سعاد سليمان محمد، لكن رحيل الفنان لا يمنح الغياب كلمته الأخيرة.
تتوقف اليد عن الرسم، ويبقى أثرها.
يصمت المرسم، وتبدأ اللوحات حديثها مع عيون جديدة.
فالأعمال الفنية لا تعيش في زمن إنجازها وحده، بل تنتقل من زمن إلى آخر، ومن عين إلى عين، حاملة معها شيئاً من روح صاحبها.
في ذكرى رحيلها، نستعيد سعاد سليمان محمد فنانةً ومعلمةً وفاعلةً في المشهد التشكيلي.
نستعيد امرأة عبرت بين المدن كما عبرت بين أساليب الفن، وتركت للطبيعة والإنسان واللون مساحة واسعة في تجربتها.
ربما يكون الموت نهاية الجسد…
لكنه لا يستطيع أن يطفئ الأثر.
فالفنان يرحل…
ويبقى اللون…
شاهداً على أن يداً مرت من هنا،
وأن روحاً ما
حاولت أن تقول للعالم:
إن الحياة،
مهما أثقلها الغياب،
تستحق أن تُرسم.
وأنا أخط كلماتي… أشعر أنني أجلس إلى طاولة الزوفا في بيت أهلها، وإلى جواري… موفق ووفيق وحافظ… يستمعون إلى ضجيج الصمت.
سعاد محمد…
تحية لروحك،
والسلام.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

