يروى أن رجلاً جاء إلى أبي حيان التوحيدي يتباهى بكثرة ما يحفظ من دواوين العرب وأقوال الحكماء، فنظر إليه التوحيدي بأساه المعهود، وقال: يا هذا، إنما أكلتَ لِتَعِيش، ولم تعش لِتأكُل وكذلك العلمُ، تقرأ لِتبصَرَ نفسك، لا لتملأ بطنَ عقلِك بكلام غيرك”.
وبين «الحفظ الأعمى» و«الفهم الحي» يمتد الجسر الذي يقودنا إلى «البصائر والذخائر»، الموسوعة التي جمع فيها التوحيدي حكايات البشر وأشعارهم، لا لنرددها فحسب، بل لنجد أنفسنا بين سطورها ونستخلص منها ما يتجاوز الحفظ إلى الفهم والتأمل.
وفي زاوية أمهات الكتب، تأخذنا سانا الثقافية في رحلة داخل هذا المصنف الفريد، لنكتشف كيف تحول اختيار التوحيدي للنصوص، وتعليقاته الذكية الدقيقة، إلى مرآة تكسر عزلة الإنسان، وتجعل من القراءة أداة لفهم الذات وتفكيك الطبيعة البشرية، وسط صخب الأصوات التي ينقلها.
التوحيدي.. معرفة صنعتها الكتب والمجالس
صاحب الكتاب هو أبو حيان علي بن محمد بن العباس التوحيدي، أحد أدباء القرن الرابع الهجري، وتذكر «الموسوعة العربية» أنه اتخذ الوراقة مهنة، فأتاحت له الاطلاع على مؤلفات ومترجمات متنوعة، وأن معارفه اتسعت بتعدد أساتذته، ومنهم أبو سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني في علوم اللغة، ويحيى بن عدي وأبو سليمان السجستاني في الفلسفة.
ويساعد هذا التكوين على فهم تداخل العناية باللغة والأسئلة الفكرية في آثاره، إذ لم تنحصر مؤلفاته في موضوع واحد، فكتب الإمتاع والمؤانسة والصداقة والصديق ومثالب الوزيرين، إلى جانب البصائر والذخائر، حيث تلفت الموسوعة إلى حضور همومه وتجربته الشخصية في كتاباته، بما يمنح التعرف إلى سيرته قيمة تتجاوز تعداد مؤلفاته وتواريخها.
الانتقاء أساس التأليف
يحدد التوحيدي في مقدمة كتابه معيار الاختيار بقوله: مع توخي قصار ذلك دون طويله، وسمينه دون غثه، ونادره دون فاشيه، ويعدد بين مصادره من كتب الجاحظ، والكامل للمبرد، وعيون الأخبار لابن قتيبة، ومجالسات ثعلب، إلى جانب ما حفظه من أقوال الناس في مجالسهم.
وتوضح هذه المقدمة أن مادته تجمع القراءة والسماع، وأن الانتقاء جزء من مشروعه، لا خطوة تالية عليه، فالمعيار المعلن يفضل ما يراه جديراً بالحفظ على مجرد الإكثار من المرويات.
الشعر بين التذوق والتفسير
يتجلى أسلوب التوحيدي في إيراده بيتاً لعمر بن أبي ربيعة يتناول ذكر المحبوبة عند خدر الرجل، ثم تعليقه عليه بقوله: «هذا البيت شاهد في مصدر خدر مع لطف المعنى فيه»، ففي هذا التعليق يجمع التوحيدي بين الاستشهاد اللغوي والتوقف عند جمال المعنى، بما يكشف عن طريقته في قراءة النصوص التي ينقلها، فلا يكتفي بإيراد الشاهد، بل يلفت إلى ما يحمله من دلالة وجمال.
ومن هذا المثال يمكن فهم أهمية التمييز بين النص المروي وتعليق جامع الكتاب عليه، فالأول يعرّفنا بما اختاره، والثاني يتيح الاقتراب من ذائقته، وهنا تصبح قراءة التعقيب، وإن قصر، ضرورية لفهم شخصية المصنف، بدلاً من الاكتفاء باستخراج أقواله المتفرقة.
طبعات تتيح العودة إلى النص
من طبعات البصائر والذخائر طبعة أحمد أمين وأحمد صقر، الصادرة بالقاهرة عن مطبعة لجنة التأليف والترجمة والنشر سنة 1953، وتتيح منصة المجموعات العربية على الإنترنت نسخة رقمية منها، مصدرها مكتبات جامعة برنستون، بما يوفر للقارئ سبيلاً للعودة إلى صفحات الكتاب ومراجعة نصوصه.
كما حققت وداد القاضي الكتاب لدار صادر في بيروت، ويسجل الفهرس الجامعي الياباني «CiNii» طبعة سنة 1988 في ستة مجلدات، تضم الأجزاء التسعة للمتن ومجلداً للفهارس العامة؛ وهي بيانات تخص هذه الطبعة، وتميز بين عدد أجزاء النص وطريقة تجليدها.
مرجع للبحث ورفيق للقراءة
من جوانب الاهتمام الأكاديمي بكتاب «البصائر والذخائر» دراسة توفيق هلال أحمد بعنوان «القضايا الصرفية في كتاب البصائر والذخائر»، المنشورة في مجلة «آداب الفراهيدي» عام 2015، والتي تناولت عدداً من المسائل الصرفية، منها موازين الأسماء، ومصادر الأفعال، والتصغير، وصيغ المبالغة، بما يبرز جانباً من القيمة العلمية التي يتيحها الكتاب للباحثين في اللغة العربية.
أما القارئ غير المتخصص، فيمكنه أن يبدأ من حكاية أو شاهد شعري، ثم يتتبع مصدره وتعليق التوحيدي عليه.
قراءات في أسلوب الكتاب وقيمته المعرفية
يرى الكاتب جاكاتي الشيخ، في مقالته البصائر والذخائر.. شجرة الجزالة اللغوية المنشورة بصحيفة الخليج، أن الكتاب يتميز بحضور تجارب التوحيدي الشخصية وآرائه وتعليقاته إلى جانب مختاراته، بما يكشف جوانب من الثقافة العربية القديمة، ويلفت إلى طريقته في الانتقال من تفسير الكلمات إلى الشواهد الشعرية والحكم والمباحث الفلسفية، ثم الحكايات التي تستعيد نشاط القارئ، فتنوع المادة، في قراءته، يجمع الفائدة المعرفية والمتعة الأدبية، فيما تمنح جزالة اللغة والاهتمام بإيصال المعنى، بعيداً عن التقعر، القارئ العام والمتخصص سبيلاً إلى الإفادة من الكتاب.
من جانبه، وصف الكاتب محمد بهي المصنف بأنه كتاب علم وأدب، في مقالته المختار من البصائر والذخائر للتوحيدي المنشورة على شبكة الألوكة، موضحاً أن إعجابه بأسلوب المؤلف وما وجده من فوائد وحكم وأقوال دفعه إلى اختيار نصوص منه وتقديمها للقراء، اعتماداً على تحقيق وداد القاضي.
وأشار كذلك إلى اشتماله على ألفاظ وحكايات مكشوفة، واضعاً ذلك ضمن تقاليد بعض كتب الأدب القديمة التي جمعت الطرائف والملح والنوادر؛ وهي ملاحظة تُبقي عرضه متنبهاً إلى طبيعة المادة، إلى جانب تقديره لقيمتها الأدبية والمعرفية.
وبهذه القراءة يبقى البصائر والذخائر مستودعاً للاقتباسات، وفرصة لتأمل كيف تُروى التجربة الإنسانية، وكيف يمنحها الكاتب، باختياره وطريقة قراءته، معنى يتجاوز مناسبتها الأولى.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن

