مالك صقور
ما حدث في الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، شبه زلزال صدّع “أسطورة” الكيان الصهيوني، إذ لم يكن المشهد عادياً، فالمشهد – الحدث الذي سرق الأضواء وهزّ المنبر الأممي تمثّل في انسحاب سبعة وسبعين وفداً وعشرات الدبلوماسيين فور صعود حاكم الكيان الصهيوني لإلقاء كلمته. هذا الانسحاب وهذا الفعل الاحتجاجي غير المسبوق أمام عيون العالم كله، لم يكن مغادرة للمكان فقط؛ بل كان صفعة دبلوماسية مدوية، وعزلة دولية، وعقوبة معنوية، إذ عكس هذا الانسحاب حالة الرفض الإنساني المطلق والأخلاقي العالمي لاستمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، وجنوب لبنان والانتهاكات المستمرة في الضفة الغربية، من هدم البيوت واقتلاع أشجار الزيتون والبرتقال، والتهجير القسري. وهذا يدل دلالة واضحة، وإعلاناً صريحاً بأن العالم ضاق ذرعاً من سياسات الكيان الصهيوني أمام شلالات الدماء المهدورة والإبادة الجماعية في غزة وجنوب لبنان والضفة الغربية. وكان رد فعل حاكم الكيان عنيفاً، وكاد أن يفقد أعصابه، عندما رأى هذه الوفود تتقاطر خارجة من القاعة، وهو يرى المقاعد أمامه خاوية، فهاجم الدبلوماسيين المغادرين بحدّة ووصفهم بأنهم جبناء. وقال بانفعال حرفياً: “إنْ كان هناك مزيد من الجبناء الذين لم يغادروا القاعة، أطلب منهم المغادرة الآن”. وألقى كلمته أمام مقاعد فارغة، ورفع جهاز (البيجر) مفتخراً باستهداف عناصر حزب الله، كما رفع جهاز (ستارلينك) ويخص إيران بذلك. كما هاجم عمدة نيويورك، الذي وصف نتنياهو بمجرم حرب، وهدد باعتقاله.
في هذه الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، لم تعد أروقة الأمم المتحدة مجرد منصة لإلقاء الخطابات المكتوبة سلفاً بكلمات منمقة، وابتسامات مجاملة، بل تحولت في هذه الدورة إلى مرآة حقيقية كشفت للعالم حجم الانقسام بين واقع الشعوب المظلومة المضطهدة وبين مراكز القوى التقليدية.. فالذي جرى تحت قبة هذه المنظمة العالمية، يتجاوز حدود “الحدث العابر”، ليؤسس لملامح صحوة عالمية غير مسبوقة، بعد هيمنة القطب الواحد على العالم وليس على مجلس الأمن والأمم المتحدة فحسب.
ولكن المنعطف الأكثر عمقاً في معركة الوعي العالمية، لم يكن في انسحاب 77 وفداً وعشرات الدبلوماسيين مقاطعين كلمة نتنياهو فحسب، بل امتدت جذوره الدلالية في ذات الوقت إلى العاصمة النمساوية: حيث برز المؤتمر اليهودي العالمي المناهض للصهيونية في فيينا. ليعيد صياغة المشهد بجرأة أكبر، متخذاً من عبارة “إننا جميعاً من غزة ومتحدون ضد الاستعمار الاستيطاني” – شعاراً مركزياً.
لهذا المؤتمر رمزية تاريخية قاتلة للبروباغندا الصهيونية، فمدينة فيينا هي ذاتها المدينة التي شهدت ولادة الحركة الصهيونية السياسية وكتب فيها هرتزل كتابه “دولة اليهود” عام 1896. واليوم، أن يجتمع ما يزيد عن 1000 من الأكاديميين والناشطين والعلماء واليهود القدامى، ومنهم من نجا من المحرقة، ليطلقوا صرخة مدوية تتبرأ من الصهيونية وإسرائيل، هو بمثابة تفكيك للشرعية الأخلاقية والدينية التي طالما تذرّع بها الاحتلال. وقد تجلّى هذا التفكيك الجذري في كلمة المؤرخ الإسرائيلي المعروف (إيلان بابيه) الذي صرح علناً من فوق منصة المؤتمر قائلاً: “إن المشروع الصهيوني في فلسطين هو مشروع استعماري احتلالي مبني على التطهير العرقي. وأن واجبنا الأخلاقي كيهود هو نزع الشرعية عن هذا الكيان العنصري والأبارتهايد”.
أما الناشطة داليا ساريغ فيلنر، وهي من أبرز منظمي المؤتمر، فقد أكدت بقولها: “نحن هنا لنرفع صوتاً يهودياً شجاعاً يرفض الإبادة الجماعية في غزة.. ولنؤكد للعالم أن الصهيونية لا تمتلك الحق في احتكار الصوت اليهودي أو التحدث باسمنا”. وقد تُوّج المؤتمر بهتاف جماعي: “الصهيونية لا تمثل اليهودية”. وسط مطالبة رسمية بتجميد عضوية إسرائيل في الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي. والجدير بالذكر أن سيدة يهودية عمرها 91 سنة.. قامت في الاستراحة وأنشدت النشيد الفلسطيني ((موطني)). وقالت: كنت أنشده في زمن النكسة، من دون أن أعلم أنني سأنشده يوماً ضد تل أبيب.
إن المشهدين معاً: بين قاعة الأمم المتحدة، مقاعدها فارغة احتجاجاً على سياسة “إسرائيل”؛ ومؤتمر يهودي في فيينا ينفض يده من جرائم الصهيونية والأيديولوجيا الدموية – ليسا مجرد حدثين عابرين في أجندة السياسة العالمية، بل هما صرخة الضمير الإنساني حين يقرر أن يصحو أخيراً.. إنها البداية لتصدع جدار الزيف والنفاق والظلم والاستبداد والاستعمار الذي شُيّد بالحديد والنار على مدى عقود. وأن دماء الأبرياء أصبحت لعنة تطارد الجلاد وتجرّده من ورقة التوت الأخيرة. لقد ذاب الثلج وظهر المرج وانقشع الضباب، وسطعت الحقيقة عارية أمام العالم: وإن القوة لا تمنح الشرعية، وأن دحر الصهيونية إلى مزابل التاريخ قد بدأ بأيدي الأحرار من اليهود.
في نيويورك وفيينا كُتب سطرٌ جديد في كتاب التاريخ، سطرٌ يقول بلسان البشرية قاطبة: “لقد انتهى زمن الصمت، وإن الفجر وإن تأخر إنه آتٍ لا محالة”.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

