الرئيسية » كلمة حرة » دمشق التي بقيت في الذاكرة… سقوط قبل النهاية (2) حين بقي الحكم، وتبدّلت الولاءات!

دمشق التي بقيت في الذاكرة… سقوط قبل النهاية (2) حين بقي الحكم، وتبدّلت الولاءات!

المهندس محمود محمد صقر

 

ماذا كان يحدث للدولة، بينما ظل الحكم قائمًا؟

 

في عام 1970، جاء حافظ الأسد إلى السلطة بعد سنوات من الانقلابات. وكان السوريون، كغيرهم من الناس، يحتاجون إلى الاستقرار؛ فالإنسان الذي أرهقته المفاجآت قد يكتفي بأن يعرف من سيحكمه غدًا، وينسى أن يسأل كيف سيُحكم.

لكن للاستقرار وجهين: هدوءٌ تراه الشوارع، وتوازنٌ تصنعه المؤسسات. وقد تهدأ الشوارع بينما تتغير العلاقة بين الحاكم والدولة، وبين المواطن وحقه في السؤال.

في دستور 1973، تعزّزت قيادة حزب البعث للدولة والمجتمع، واتسعت صلاحيات الرئيس. بقيت المؤسسات قائمة، لكن بقاء البناء لا يغني عن فحص أساساته؛ وهذه، بحكم مهنتي، حقيقة لا تحتاج إلى خطبة سياسية.

وفي لبنان، كانت بيروت تدفع ثمن حربٍ بدأت عام 1975، فتحولت فيها مدينة المعرفة والصحافة وحرية التعبير إلى ساحة تتنازعها القوى المحلية والتدخلات الخارجية. دخل الجيش السوري لبنان عام 1976، واجتاحته إسرائيل عام 1982، فيما كانت المدينة التي صدّرت الكتب والأفكار تبحث عن شارع آمن.

ولعلّ الهزائم العربية صنعت حاجةً إلى بطل، بقدر ما صنعت الحاجة إلى الأمل قابليةً لتصديق الشعارات.

بعد الثورة الإيرانية عام 1979، تقاربت دمشق وطهران، ثم نشأ حزب الله بدعم إيراني في لبنان. ووجدت صورة المقاومة طريقها إلى وجدان قطاعات من الشارع العربي، حتى تجاوزت في نظر كثيرين حدود لبنان، وغدت رمزًا قوميًّا لاستعادة الكرامة.

وهنا مفارقة تستحق التأمل: حين يعجز الواقع عن منح الناس ما يتمنّونه، قد تمنحهم الشعارات ما يتمنّون رؤيته.

لا يعني ذلك أن مشاعر الناس كانت زائفة، أو أن مقاومة الاحتلال لا تستحق التقدير؛ بل يعني أن صدق الشعور لا يكفي وحده للحكم على حقيقة المشروع.

فقد يرفع المرء رايةً يؤمن بها، بينما تُرسم خلفها خرائط لا يعرفها. وقد ينتصر في معركة، لكن السؤال يبقى: من يحدد وجهته التالية؟

وهل يكفي أن يُسمّى المشروع مقاومةً أو وطنيةً حتى يصبح قراره مستقلًا عن مصالح حلفائه؟

كانت دمشق تبحث عن استقرارها، وكانت بيروت تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على أن تكون بيروت التي عرفها الناس. وبين المدينتين، كانت المنطقة تعيد ترتيب ولاءاتها؛ فالحدود بقيت على الخرائط، لكن الحروب والتحالفات أخذت تعبرها، وأحيانًا كانت تعبر معها ولاءات الناس أيضًا.

ليست المشكلة أن تتحالف الدول؛ فالدول لا تعيش خارج المصالح. المشكلة أن ينسى المواطن أن يسأل: أين تنتهي مصلحة الحليف، وأين تبدأ مصلحة وطني؟

فالأوطان لا تُختبر بالشعارات التي ترفعها، بل بالحقوق التي تحفظها، والقرارات التي يملكها أبناؤها، والقدرة على الاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى تهمة.

ولم تكن الصورة قد اكتملت بعد، لكن بعض ملامحها بدأت تظهر. وما سنبحثه ليس مَن أخطأ وحده، بل كيف تراكمت الخيارات حتى ضاق مجال الخيارات.

فالسقوط لا يبدأ دائمًا حين تنهار الجدران؛ قد يبدأ حين يبقى البناء قائمًا، ويعتاد الناس ألا يسألوا عمّا تغيّر في أساساته.

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سورية تنادي أبناءها

    بقلم: جمعان علي العمير   في اللحظات المصيرية من عمر الأوطان، تسقط كل العناوين الصغيرة، وتتراجع الخلافات إلى الخلف، ويبقى الوطن وحده متصدرًا ...