د . م . بتول عيسى
تظهر على واجهة المشهد السوري مطالبات شعبية بإعادة الأراضي المستملكة إلى أصحابها، على أساس بناء علاقة عادلة بين الدولة والمواطن.
وبرغم مشروعية هذه المطالبات نظرياً، إلا أن تحويلها إلى واقع تنفيذي يتطلب إلقاء نظرة شاملة وفاحصة على هذا الملف الحساس، وتمييز الاستملاكات التي حققت منفعة عامة، كإقامة المدارس والطرق والمشافي ومشاريع البنية التحتية، وتلك التي لم تُنفذ الغاية منها، أو تغير استخدامها، أو تحولت إلى مشاريع استثمارية وعمرانية ذات قيمة مختلفة.
ويشكل هذا التمييز أساساً لتحديد حق كل حالة وشكل التعويض المناسب لها.
خريطة وطنية توضح مصير الأراضي المستملكة
تبدأ المعالجة بتكليف كوادر إدارية وفنية بإنشاء خريطة وطنية شاملة للأراضي المستملكة في سورية، تغطي مختلف المحافظات، وتوثق الاستملاكات التي حدثت حتى اليوم.
بما يشكل أساساً مشتركاً للنقاش بين القانونيين والمعماريين والمخططين والاقتصاديين والمؤرخين العقاريين، وتسمح بالانتقال من معالجة المطالبات الفردية إلى سياسة وطنية قائمة على بيانات قابلة للتدقيق.
تتضمن الخريطة تاريخ الاستملاك، والملكية الأصلية، وسببه، والغاية منه، وحالة المشروع من ناحية التنفيذ، والاستخدام الحالي للأرض، والتغيرات التي طرأت على وظيفتها وقيمتها، وما إذا كانت قد دخلت في مشروع استثماري أو عمراني جديد.
وعلى خط موازٍ، يجب مراجعة الإطار التشريعي الذي حكم عمليات الاستملاك وتحديد التعويضات سابقاً، ومقارنته بالضمانات التي ينبغي أن توفرها التشريعات المستقبلية لحماية الملكية الخاصة وتحقيق المنفعة العامة.
قيمة الأرض بين الماضي والحاضر
من المهام الأساسية المطلوبة أيضاً الدراسات الاقتصادية التي تعطي تصوراً عن الفارق بين قيمة الأرض وقت الاستملاك وقيمتها الحالية. فقد تكون الأرض مستملكة بقيمة محدودة، ثم ارتفعت قيمتها نتيجة التوسع العمراني، أو تغيير صفتها التنظيمية، أو تنفيذ البنية التحتية، أو إدخالها في مشروع استثماري… إلخ.
ويحتاج التقييم إلى قراءة القيمة العقارية في سياقها الزمني، مع دراسة الأسباب التي رفعت قيمة الأرض، وتمييز الزيادة الناتجة عن التطور العام للمنطقة، والمحققة بفعل استثمارات أو إجراءات عامة.
كما ترتبط العدالة بما كان يمكن لصاحب الأرض أن يحققه منها لو بقيت في ملكه. فالقابلية للبناء، والقدرة المالية والقانونية على التطوير، وطبيعة الاستخدام، وموقع الأرض، كلها عوامل تحدد القيمة الاقتصادية الفعلية التي كان يمكن لصاحبها الانتفاع بها.
وبذلك تصبح قيمة الأرض ثلاثة مستويات مترابطة: قيمتها العقارية، وقيمتها كأصل اقتصادي، وقيمتها بالنسبة إلى صاحبها.
أصحاب الحقوق جزء أساسي من الحل
يحتاج تقييم الملف إلى الاستماع المباشر إلى أصحاب الحقوق وفهم دوافع مطالباتهم الحالية. فبعضهم يرى في الأرض أصلاً عائلياً لا يعوضه المال، بينما قد يفضل آخرون تعويضاً عادلاً، أو أصلاً عقارياً بديلاً، أو حصة من القيمة الحالية للأرض.
وترتبط المطالبات أيضاً بالظروف الاقتصادية الراهنة، نظراً لحاجة أصحاب الحقوق إلى أصل عقاري يمكن الاستفادة منه في ظل تراجع القدرة الشرائية.
يجب أن يكون صاحب الحق حاضراً وفاعلاً في مسار معالجة ملفه، ويشمل ذلك توفير الإرشاد الإداري والقانوني المجاني أو الميسّر لأصحاب الأراضي المستملكة، لمساعدتهم على فهم حقوقهم، وتوثيق ملكياتهم، والوصول إلى ملفات الاستملاك، ومعرفة الإجراءات والجهات المختصة، ومتابعة مطالبات الاسترداد أو التعويض والطعن فيها عند الاقتضاء.
من ملف عقاري إلى مشروع وطني للعدالة
يمثّل ملف الاستملاك قضية قانونية وعمرانية واقتصادية واجتماعية في آن واحد. وتسمح الخريطة الوطنية المقترحة بتمييز الأراضي التي أدت وظيفة عامة حقيقية عن الأراضي التي تغير استخدامها أو لم تحقق الغاية من استملاكها، كما تكشف حجم التحولات التي طرأت على الملكيات وقيمتها.
وتمنح هذه المقاربة الدولة والمجتمع أساساً موحداً لاتخاذ القرارات، وتتيح لكل صاحب حق معرفة وضع ملكيته ومعايير معالجة حالته، بصرف النظر عن المحافظة أو الموقع أو القدرة على الضغط.
تختلف المعالجة بحسب طبيعة كل حالة ومصير الأرض. وقد يكون رد الأرض مناسباً عندما تسمح الظروف بذلك، بينما قد يكون التعويض المالي أكثر ملاءمة في حالات أخرى، أو يمكن اعتماد أصل عقاري بديل، أو حصة من القيمة الجديدة، أو مزيج من هذه الخيارات.
تحتاج سورية في هذه المرحلة إلى سجل وطني واحد، ومنهجية واحدة، ومعايير واحدة لهذا الملف، بعيداً عن التسييس. فالعدالة العقارية تبدأ بمعرفة مصير الأرض، وسبب انتقالها من صاحبها، ووظيفتها الحالية، وقيمتها عند الاستملاك واليوم، وما كان يمكن لصاحبها الانتفاع به لو بقيت في ملكه.
ومن هذه الصورة الشاملة يمكن تحديد ما يُعاد، وما يُعوّض، وكيف يُحتسب التعويض، وبأي قاعدة يحصل كل صاحب حق على معاملة عادلة.
لتبدأ العدالة من رؤية الخريطة كاملة، وتنتهي بقواعد قانونية تُطبَّق على الجميع.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
