يشكل تعزيز التعاون الأمني بين سوريا والعراق ركيزة لتطوير العلاقات الثنائية، في ظل التحديات المرتبطة بأمن الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب، وما يتيحه التنسيق بين المؤسسات المعنية من فرص لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، ولا سيما في مجالات نقل النفط وحركة البضائع والاستفادة من الموانئ السورية.
وتعكس المباحثات التي أجراها الرئيس أحمد الشرع مع رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارته لدمشق في 28 تشرين الأول الماضي، اهتمام البلدين بتطوير هذا التعاون، إذ تناولت تعزيز التنسيق الأمني على الحدود المشتركة، وتبادل المعلومات، ومكافحة الإرهاب والتهريب والجريمة المنظمة، ومعالجة التوترات القائمة، وترتيبات زيارة وفد أمني عراقي رفيع إلى سوريا.
وأكد الرئيس الشرع، في مقابلة مع قناة دجلة العراقية، وجود تنسيق أمني عالٍ بين البلدين، مشيراً إلى أن الحدود السورية العراقية تشهد استقراراً وأماناً، وأن التواصل مستمر لمعالجة أي ملاحظات أو مخاوف تتعلق بأمنها. كما أوضح أن توحيد السلاح وحصره بيد الدولة شكّلا نهجاً واضحاً منذ الأيام الأولى، بما أسهم في معالجة المخاوف العراقية المرتبطة بتعدد الفصائل المسلحة واحتمال تبني بعضها أجندات مختلفة.
التنسيق الميداني.. تعزيز السيطرة على الحدود
يمتد الشريط الحدودي بين سوريا والعراق لأكثر من 600 كيلومتر، ما يجعل تأمينه تحدياً يتطلب تعاوناً مستمراً، ولا سيما في مواجهة نشاط تنظيم “داعش” الإرهابي والتهريب.
وأكد قائد قوات الحدود العراقية الفريق محمد عبد الوهاب سكر السعيدي، في آذار الماضي، وجود تنسيق بين القوات العراقية والسورية لتأمين المنافذ، مشيراً إلى أن الحدود العراقية مع سوريا مؤمنة، وأن مستوى ضبطها في أفضل حالاته، وفق ما نقلته وكالة الأنباء العراقية.
وتواصل التنسيق خلال تموز الماضي، مع بحث وفد من وزارة الدفاع السورية مع قيادة قوات الحدود العراقية تعزيز إجراءات ضبط الحدود ومكافحة التهريب، وتطوير تبادل المعلومات وقنوات الاتصال بين القيادات الميدانية.
كما اتفق البلدان في 29 حزيران 2026 على تشكيل لجنة عليا للتنسيق المشترك، خلال مباحثات وزير الخارجية والمغتربين أسعد حسن الشيباني مع نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين في دمشق، لمتابعة التعاون الثنائي وتنسيق الجهود في مختلف المجالات.
ورأى رئيس مركز التفكير السياسي العراقي إحسان الشمري، في تصريح لـ سانا، أن تعزيز القرار السياسي والأمني في البلدين يفتح المجال أمام شراكة استراتيجية لضبط الحدود ومكافحة الإرهاب والتهريب ومنع انتقال التوترات، مشيراً إلى إمكانية تطوير التنسيق عبر غرف أمنية وعسكرية واستخباراتية مشتركة.
من جهته، قال الأكاديمي والباحث السياسي علاء مصطفى في تصريح مماثل: إن التعاون بين بغداد ودمشق بدأ ينعكس إيجاباً على الأرض، موضحاً أن العراق يعتمد منظومة أمنية تشمل الكاميرات الحرارية والثكنات الثابتة والدوريات والطيران الحربي والمسيّر، بما يعزز قدرته على ضبط الحدود، وأن التنسيق مع الجانب السوري يدعم هذه الجهود.
وأضاف مصطفى أن الاستقرار الأمني يصب في مصلحة البلدين، ويدعم حركة القوافل التجارية ونقل النفط والمشتقات النفطية، مشيراً إلى أن استمرار حركة الناقلات النفطية من العراق باتجاه بانياس يعكس أهمية هذا الاستقرار في دعم المصالح الاقتصادية المشتركة.
حصر السلاح.. تقاطع التحديات السورية والعراقية
ويبرز ملف حصر السلاح بيد الدولة بوصفه أحد الملفات الأساسية لتعزيز سلطة المؤسسات الرسمية وترسيخ مرجعية القرار الأمني، رغم اختلاف الظروف التي تحكم التجربتين السورية والعراقية.
ورأى الشمري أن التقاطع بين التجربتين يعكس توجهاً نحو إعادة بناء الدولة الوطنية وتعزيز احتكارها استخدام القوة وقرار الحرب والسلم، باعتبار ذلك أساساً لترسيخ السيادة والاستقرار السياسي والأمني.
وأشار إلى أن سوريا حققت تقدماً كبيراً خلال فترة قياسية في توحيد القوى المسلحة ودمج الفصائل ضمن مؤسستي الدفاع والداخلية، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، في إطار تفاهمات داخلية تهدف إلى تعزيز سلطة الدولة وإعادة بناء المؤسسة العسكرية الوطنية.
وفي العراق، اتجهت الحكومة إلى اعتماد مقاربة تدريجية لمعالجة ملف السلاح خارج مؤسسات الدولة، وأعلنت خطة لحصره بيد الدولة حددت 30 حزيران 2027 موعداً نهائياً لتنفيذ خارطة الطريق.
وتأتي الخطة في ظل مفاوضات مع فصائل مسلحة، أعلنت بعضها موافقتها على تسليم السلاح، بينما تمسكت أخرى به أو أبدت تحفظات على العملية.
وحذر الشمري من أن نجاح المسار العراقي لا يزال غير محسوم، في ظل تأثيرات إيران وحلفائها، مشيراً إلى أن تعدد القوى المسلحة يضعف سلطة المؤسسات الرسمية، ويحد من قدرة الحكومة على اتخاذ قرارات الحرب والسلم بصورة مستقلة.
وأضاف أن التجربة العراقية أكثر تعقيداً نتيجة تداخل بعض الفصائل المسلحة مع النظام السياسي والمؤسسات الرسمية، فضلاً عن الضغوط الإيرانية، بينما تواجه سوريا تحديات إعادة بناء مؤسسة عسكرية وطنية بعد سنوات من الصراع، وأحرزت تقدماً في هذا المسار.
ويعكس اختلاف التجربتين طبيعة التحديات التي تواجه البلدين في تعزيز مرجعية المؤسسات الرسمية، وترسيخ الاستقرار الداخلي، بما ينعكس على أمن الحدود والتعاون الإقليمي.
”داعش”.. تراجع التهديدات واستمرار المخاطر
أكد الرئيس أحمد الشرع أن تهديدات تنظيم “داعش” الإرهابي تراجعت تدريجياً مقارنة بمراحل سابقة، من دون الوصول إلى حالة من الاطمئنان الكامل، مشدداً على أهمية التعاون بين سوريا والعراق لمواجهة التنظيمات المتطرفة.
ويكتسب التنسيق أهمية إضافية مع نقل معتقلين من التنظيم من الأراضي السورية إلى العراق، وما يطرحه ذلك من تحديات تتصل بإدارة ملف المعتقلين ومنع عودة نشاط التنظيم، الأمر الذي يتطلب استمرار تبادل المعلومات والتعاون بين الأجهزة المعنية في البلدين.
الاستقرار الأمني.. مدخل للتعاون الاقتصادي
يمثل التعاون الاقتصادي أحد أبرز المسارات التي يمكن أن تستفيد من تطور العلاقات السورية العراقية، ولا سيما نقل النفط العراقي عبر الأراضي السورية إلى البحر المتوسط، بما يتيح للعراق الاستفادة من الموانئ السورية ويوفر فرصاً لتوسيع حركة التجارة والنقل.
ورأى مصطفى أن حديث الرئيس الشرع يعكس توجهاً نحو تأسيس شراكة اقتصادية بين سوريا والعراق، في إطار توافق سياسي أوسع يحظى برعاية أمريكية.
وأشار إلى أن تطوير خط نقل النفط من العراق إلى بانياس يمكن أن يوفر منفذاً بحرياً للعراق على البحر المتوسط، ويفتح آفاقاً لتوسيع حركة التجارة ونقل البضائع من الخليج عبر سوريا، لافتاً إلى أن المشاريع الاقتصادية المشتركة توفر مصالح متبادلة تدعم الاستقرار وتساعد سوريا على تجاوز تداعيات سنوات الحرب.
من جهته، رأى الشمري أن تطوير التنسيق الأمني والاستخباراتي بين البلدين يسهم في حماية الأمن القومي السوري ومنع انتقال التهديدات، ويمهد لتوسيع التعاون الاقتصادي والتجاري، ولا سيما عبر الموانئ السورية لتصدير النفط العراقي إلى البحر المتوسط.
ويفتح تطور التنسيق بين دمشق وبغداد المجال أمام شراكة تتجاوز معالجة التحديات الأمنية المباشرة إلى مشاريع النقل والطاقة والتجارة، بما يعزز المصالح المشتركة ويدعم الاستقرار والتنمية في البلدين.
اخبار سورية الوطن 2_سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
