هناء ديب
تواجه الطبقة العاملة اليوم تحديات معيشية واقتصادية متفاقمة، تتباين حدّتها بين قطاع وآخر لكنها تتقاطع جميعاً عند تراجع القدرة الشرائية وتدني الأجور، بالتوازي مع استمرار التهرب من شمول العمال بالتأمينات الاجتماعية، بما يترك شريحة واسعة دون أي مظلة حماية حقيقية.
وفي هذا السياق، يقول محمد الحسن، أحد العاملين في القطاع الخاص إنه يعمل منذ عدة سنوات في ورش صناعية، وبرغم خبرته الطويلة ما زال دون عقد رسمي أو تسجيل في التأمينات الاجتماعية، مضيفاً أن الأجر الذي يتقاضاه بالكاد يغطي جانباً من نفقات المعيشة، خاصة مع الارتفاع المستمر في الأسعار، وفي حال المرض أو الإصابة لا يوجد أي ضمان يحمي العامل.
وأضاف: “نعمل لساعات طويلة قد تتجاوز أحياناً الحد القانوني دون تعويضات واضحة، كما أن بيئة العمل تفتقر في بعض الأحيان إلى شروط السلامة المهنية، ما يزيد من حجم المخاطر اليومية، والمشكلة الأكبر أننا لا نملك وسيلة فعلية للمطالبة بحقوقنا، فالكثير من العمال يخشون فقدان عملهم في حال تقديم شكوى، ما يدفعنا للقبول بشروط غير عادلة على أمل الاستمرار فقط”.
ولا يمكن فصل هذا الواقع الصعب عن تراكمات سنوات طويلة من الإهمال، إذ لم يكن وليد اللحظة، إنما جاء نتيجة سياسات اتسمت بالتجاهل والاستهتار من قبل النظام المخلوع، إلى جانب ضعف أداء الحركة النقابية خلال مراحل سابقة، ما انعكس بشكل واضح على تراجع دور وفاعلية القطاع العام ومؤسساته الإنتاجية في مختلف المجالات.
ومع استمرار معظم الملفات العالقة دون حلول جذرية، تتجدد معاناة العمال رغم الخطوات الحكومية الساعية لمعالجة هذا الملف والخطوات التي لم ترتق إلى مستوى التحديات حتى الآن.
وفي مقدمة هذه الإشكاليات، تأتي فجوة الأجور والتعويضات التي لم تعد تتناسب مع تكاليف المعيشة في ظل معدلات تضخم مرتفعة، وذلك رغم الزيادات المتتالية على رواتب العاملين في القطاع العام التي بلغت 200 بالمئة و50 بالمئة.
كما لا يزال التعويض العائلي محدوداً، إذ يقتصر على الزوجة وثلاثة أولاد بقيمة تتراوح بين 6 و8 آلاف ليرة، في حين تستمر الوجبة الغذائية بالتصرف وفق النظام القديم بقيم تتراوح بين 300 و600 ليرة، خاصة في قطاعات تتطلب طبيعة العمل فيها عناية خاصة ببيئة العمل نتيجة التعرض لمواد ضارة، كما هو الحال في بعض المهن المرتبطة بالصناعات المعدنية والنفطية، إضافة إلى استمرار الإشكاليات المتعلقة باللباس العمالي.
ويروي جميل الخالد، أحد العاملين في القطاع الخاص، تجربته قائلاً: “تعرضت لإصابة أثناء العمل أدت إلى مشكلة في الظهر، ومنذ ذلك الوقت لم أعد قادراً على متابعة عملي كما في السابق، ولم أكن مشمولاً بالتأمينات الاجتماعية، ما اضطرني لتحمل تكاليف العلاج بالكامل، وهو ما شكّل عبئاً كبيراً على أسرتي”.
وأردف: “اليوم أعتمد بشكل كبير على مساعدة الأقارب وبعض الأعمال البسيطة التي لا تتطلب جهداً بدنياً كبيراً، لكن الدخل لم يعد كافياً لتغطية الاحتياجات الأساسية، وهذه التجربة أكدت لي أهمية وجود بيئة عمل آمنة وضمانات حقيقية تحمي العامل في حال تعرضه لأي إصابة”.
مكاسب محدودة وملفات عالقة
جميع هذه القضايا كانت مطروحة منذ خمسة أشهر على طاولة المجلس العام للاتحاد العام لنقابات العمال، إلا أن معالجتها بقيت ضمن حدود ضيقة، اقتصرت أساساً على زيادات في الرواتب والأجور، إلى جانب إنجاز وإطلاق البطاقة النقابية الجديدة، التي تجاوزت كونها وسيلة تعريفية، وتحولت إلى أداة مرتبطة بنظام إحصائي متكامل يهدف إلى قراءة الواقع العمالي ميدانياً، بما يمكّن الاتحاد من بناء قراراته على بيانات دقيقة بدلاً من التقديرات العامة.
وترتبط البطاقة النقابية بتطبيق إلكتروني متكامل يقدّم خدمات فعلية للعمال، من بينها خصومات على باقة واسعة من الخدمات عبر جهات متعاقدة مع الاتحاد، تشمل القطاع الصحي والمستشفيات والصيدليات العمالية، في خطوة تهدف إلى تخفيف جزء من الأعباء المعيشية.
ومع انعقاد الدورة الثانية للمجلس بعد التحرير، يوم الأحد الماضي، عادت إلى الواجهة ملفات ثقيلة لا تزال دون حلول جذرية، وتشكل عبئاً متزايداً على العمال والقيادات النقابية والجهات المعنية.
وفي مقدمة هذه الملفات، مسألة تحديد الحد الأدنى للأجور، وعدم حسم أوضاع المفصولين من العمل على خلفية مشاركتهم في الثورة، بعد أن فقدوا مصادر دخلهم، إلى جانب ملف تثبيت العقود التي تجاوزت مدتها عشر سنوات، وضرورة توفير بيئة عمل تضمن شروط الصحة والسلامة المهنية.
كما تتضاعف التحديات بالنسبة للمرأة العاملة، بوصفها شريكاً أساسياً في العملية الإنتاجية، فضلاً عن استمرار ظاهرة تهرب بعض أصحاب العمل في القطاع الخاص من شمول عمالهم بالتأمينات الاجتماعية.
وفي هذا السياق، يشير سامي الخلف، أحد العاملين المفصولين خلال السنوات الماضية نتيجة مشاركته في الثورة، إلى أنه فقد عمله منذ عدة سنوات، وبعد تحرير البلاد وسقوط النظام المخلوع لم يتمكن من العودة إلى وظيفته رغم الوعود المتكررة بمعالجة هذا الملف.
وأوضح أنه خلال الفترة الماضية واجه صعوبات كبيرة في تأمين مصدر دخل ثابت، واضطر للعمل في مهن مؤقتة لا تتناسب مع خبرته وشهادته، مضيفاً: “ما نأمله اليوم هو وجود آلية واضحة وعادلة تعيد النظر في أوضاع المفصولين، خاصة أن الكثير منهم يمتلكون الكفاءة والخبرة التي يمكن أن تسهم في عملية البناء الحالية”.
ورغم ما تؤكد عليه القيادات النقابية في تقاريرها الدورية من الدور المحوري لعمال سوريا في مرحلة الانتقال إلى البناء والإعمار، يبقى التحدي الأساسي في ترجمة هذه الطروحات إلى إجراءات ملموسة على أرض الواقع.
ويبدو أن تحقيق نتائج فعلية يظل مرهوناً بجملة من العوامل، قد يأتي في مقدمتها قانون الخدمة المدنية الجديد، الذي قطع شوطاً متقدماً في مسار إعداده، على أمل أن يكون من بين أولى القوانين المطروحة للإقرار مع انعقاد مجلس الشعب خلال الفترة القادمة، بما يحمله من وعود بتنظيم العلاقة الوظيفية وتعزيز معايير الكفاءة والاستقرار.
ضوابط جديدة لإنهاء العقود
في هذا السياق، أوضح معاون وزير التنمية الإدارية، أنس الصواف، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن قانون الخدمة المدنية المرتقب سيضع إطاراً واضحاً لضوابط إنهاء عقود العاملين، إلى جانب تحديد آليات التثبيت وفق معايير الكفاءة، وبحسب ما تتضمنه بعض مواد القانون، فإن الهدف يتمثل في تنظيم العلاقة بين الدولة والعاملين لديها بما يحقق العدالة ويعزز الأداء المؤسسي، مع الحد من أي قرارات تسريح تعسفية أو غير مبررة.
وأشار الصواف إلى أن القانون ينص على حالات محددة لإنهاء العقود، من بينها إلغاء الوظيفة ذاتها أو عدم تجديد العقد في حال أظهر تقييم الأداء مستويات متوسطة أو ضعيفة، ولفت إلى أن هذه الإجراءات لا تندرج ضمن إطار تسريح جماعي، وتأتي كجزء من عملية تصحيح تهدف إلى رفع كفاءة الجهاز الإداري، في سياق إعادة هيكلة بعض المؤسسات ومراجعة أوضاع العقود القائمة، بما يشمل العقود المؤقتة والموسمية.
وفيما يتعلق بآليات التثبيت مستقبلاً، بيّن الصواف أن القانون سيعتمد معايير واضحة، من بينها مدة تعاقد محددة — يُقترح أن تكون ست سنوات للفئة الأولى من حملة الماجستير — إلى جانب برامج تدريبية إلزامية وتقييم دوري لأداء العاملين خلال فترة التعاقد، بما يضمن اختيار الكفاءات الأكثر قدرة على الاستمرار.
أما بشأن موعد صدور القانون، فأكد أن الصياغة النهائية للمسودة قد أُنجزت، وبدأ العمل على ملحقاتها، بما في ذلك نظام إدارة الموارد البشرية، تمهيداً لعرضها على مجلس الشعب لإقرارها، وتهدف هذه الخطوات، وفق الصواف، إلى إرساء بيئة عمل قائمة على الجدارة والكفاءة، وتعزيز الاستقرار الوظيفي للعاملين المؤهلين.
بين الإصلاح الإداري وحماية الحقوق
فيما يتعلق بدور وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل في حماية حقوق العاملين وآليات إنهاء العقود، أوضحت معاون الوزيرة رغدة زيدان، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن الوزارة تتعامل مع هذا الملف وفق معايير دقيقة توازن بين متطلبات الإصلاح الإداري والحفاظ على حقوق العاملين، مؤكدة أن أي إجراء بإنهاء العقود لا يتم إلا بعد تقييم شامل للأداء، مع مراعاة عدم الإضرار بفئات محددة.
وبيّنت زيدان أن نتائج التقييم في بعض الجهات أظهرت تبايناً في مستويات الأداء، حيث تبين وجود حالات تحتاج إلى إعادة تأهيل أو نقل إلى مواقع عمل أخرى، مقابل كفاءات أثبتت جدارتها وتم الإبقاء عليها، مؤكدة أن التوجه العام لم يكن نحو إنهاء أعداد كبيرة من العقود، إنما التركيز على الحفاظ على الكفاءات الفعلية التي تستحق الاستمرار في مواقعها، بما يضمن استقرار العمل وتحسين الأداء المؤسسي.
وأشارت إلى أن الوزارة أولت اهتماماً خاصاً بعدم المساس بحقوق الفئات الأكثر هشاشة، كذوي الإعاقة والنساء المعيلات، إضافة إلى أي عامل يثبت استحقاقه للاستمرار في عمله، في إطار التزامها بالبعد الاجتماعي إلى جانب البعد الإداري.
وشددت زيدان على أن هذه الإجراءات لا تأتي في سياق قرارات منفردة، بل ضمن خطة حكومية أشمل تستهدف معالجة ظاهرة الترهل الإداري في مؤسسات الدولة، مضيفة أن وزارة التنمية الإدارية تتولى الإشراف على ملف تقييم العاملين في مختلف الجهات العامة، في حين تتابع وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ما يتعلق بتنظيم سوق العمل في القطاع الخاص، مؤكدة أهمية التنسيق بين الجهات المعنية لضمان تحقيق النتائج المرجوة على أرض الواقع.
وفي ظل هذا الواقع، تزداد قضايا العمال أهمية، لا من زاوية الأجور والتعويضات فقط، وإنما من جهة الحاجة إلى إعادة بناء منظومة عمل متكاملة تضمن الكرامة والاستقرار الوظيفي، وتواكب متطلبات المرحلة المقبلة، فالتحديات القائمة، من تراجع الدخل وارتفاع تكاليف المعيشة، إلى ضعف بيئة العمل وغياب التأمينات في بعض القطاعات، وصولاً إلى الملفات العالقة كالمفصولين وتثبيت العقود، تضع المؤسسات المعنية أمام اختبار فعلي للانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ.
وفي هذا الإطار، يأتي قانون الخدمة المدنية كأحد أبرز الأدوات المنتظرة لإحداث تحول في إدارة الموارد البشرية داخل القطاع العام، من خلال ترسيخ معايير الجدارة والكفاءة، وتنظيم العلاقة بين العامل وجهة العمل ضمن ضوابط واضحة، إلا أن فعالية هذا القانون لا تتوقف على نصوصه، حيث تشمل آليات تطبيقه، ومدى قدرته على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الإصلاح الإداري وحماية حقوق العاملين، بما يمنع تحوّل التقييم إلى أداة إقصاء، ويعزّز دوره كوسيلة للتطوير والتحفيز.
وبالتوازي، تبقى أوضاع العمال في القطاع الخاص جزءاً محورياً من أي مسار إصلاحي، لا سيما في ما يتعلق بتشديد الرقابة على تطبيق قوانين العمل، وضمان شمول العاملين بالتأمينات الاجتماعية، وتحسين شروط السلامة المهنية، بما يحدّ من المخاطر ويعزز الاستقرار المعيشي.
وبين هذه التحديات، تتجه الأنظار إلى مدى قدرة الجهات المعنية والنقابية على تنسيق جهودها وتحويل الخطط المعلنة إلى إجراءات عملية تنعكس مباشرة على حياة العمال، فالعامل، بوصفه ركيزة أساسية في الإنتاج وإعادة البناء، لم يعد بحاجة إلى وعود إضافية بقدر ما يحتاج إلى سياسات واضحة، وتطبيق عادل، وبيئة عمل تضمن له الأمان والاستقرار، وتمكّنه من أداء دوره بكفاءة في مسار التعافي والإعمار.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
