هبا أحمد
تعيد الحرب الأميركية – “الإسرائيلية” على إيران تشكيل شبكات الشحن الدولية، وترسم ملامح خريطة نفوذ اقتصادية إقليمية جديدة، فضلا عن بعدها العالمي، فيما يتركز الاهتمام على الإقليم القريب من الحرب، وتحديدا المنطقة القريبة من مضيق هرمز، بما يشهده من تقاطعات في مسارات الإمداد التقليدية المتضررة، مقابل المسارات البديلة البرمائية، إن أمكن القول، وسط تساؤلات عن الجدوى والفعالية، وما يعنيه تغير خريطة النفوذ الاقتصادي وتداعياتها السياسية، وبالتالي أي أوراق جديدة قد تستخدم على طاولة أي مفاوضات تنتجها الصراعات القادمة لا محالة.
والحديث عن صراعات قادمة لا محالة، بالتزامن مع المسارات البديلة التي تبحثها دول الإقليم للانعتاق من “قبضة هرمز” الطاقية والإمدادية بشكل عام، لا يأتي من باب التهويل أو التقليل من أهمية المستجدات، لكن هذه الأهمية وضروراتها تقتضي البحث أولا في ألا تتحول هذه المسارات إلى أدوات ضغط سياسي جديدة، بل أن تحافظ على هدفها الأساس، وهو سلامة الإمدادات وضمان طرق أكثر أمنا واستقرارا، تحصن الاقتصاد الإقليمي من الأزمات وتمكنه من مواجهتها.
بمعنى آخر، يمكن اعتبار الحرب في الشرق الأوسط سيفا ذا حدين، فمن جهة وضعت الاقتصاد العالمي في مواجهة أزمة التضخم والإمدادات والطاقة، ومن جهة أخرى فتحت الباب واسعا لإعادة بناء الإقليم اقتصاديا، وإعادة بناء التحالفات والتفكير الجمعي بصياغة مشروع نجاة مستدام. لكن إلى أي مدى تستطيع هذه التحالفات إنقاذ الأمن الإقليمي، بأبعاده السياسية والاقتصادية؟ وإلى أي مدى تستطيع أن تتجاوز خلافاتها الإقليمية، وأن تطوع الأزمة الراهنة لتكون نقطة تحول تاريخية تكسر احتكار هرمز لصادرات الطاقة في الإقليم؟
من هنا، على وجه التحديد، تكمن أهمية المسارات البديلة، بشقيها البري والمائي، التي نستعرضها في سياق المادة، والتي تبرز فيها سوريا كمحور مؤثر جغرافيا، ويبرز مشروع “البحار الأربعة” بوصفه إحدى الرؤى التي تنسجم مع منطق تلبية الطلب الأوروبي، حيث يهدف إلى ربط الخليج وشرق المتوسط وبحر قزوين بالأسواق الأوروبية عبر شبكة متعددة من الممرات البرية والبحرية.
حدود الدور
يقول تقرير صادر عن مركز الحوار السوري تحت عنوان “بدائل هرمز وحدود دور سوريا الجديدة فيها: نظرة تحليلية”، إن البيانات تشير إلى أن نحو 76 بالمئة من النفط الخام المار عبر مضيق هرمز يتجه إلى الأسواق الآسيوية، فيما تستحوذ كل من الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة وحدها على ما يقارب 65 بالمئة من إجمالي هذه التدفقات. وتعكس هذه الأرقام حقيقة أساسية مفادها أن مركز الطلب العالمي على الطاقة لم يعد غربيا كما كان في السابق، بل بات يتمحور بشكل متزايد حول آسيا، بوصفها المحرك الرئيسي للنمو في استهلاك الطاقة عالميا.
ووفقا للتقرير، لا تقتصر أهمية هذه المعطيات على توصيف أنماط التجارة، بل تفرض بالضرورة إعادة النظر في جدوى ومسارات البدائل المطروحة لمضيق هرمز، إذ يثير هذا التوزع الجغرافي للتدفقات تساؤلات جوهرية حول طبيعة البدائل الممكنة، وما إذا كانت قادرة فعلا على تلبية متطلبات الأسواق المستهدفة، وليس فقط تجاوز نقطة الاختناق الجغرافية.
وبحسب التقرير، من الناحية النظرية، يمكن لسوريا أن تشكل جزءا من منظومة ربط إقليمي بين الخليج وأوروبا، خاصة في ضوء مشاريع خطوط الأنابيب المقترحة أو المؤجلة تاريخيا. غير أن هذا الدور، حتى في حال تحققه، يظل محصورا جغرافيا ووظيفيا في خدمة الأسواق الأوروبية غالبا، ومن الصعب أن يمتد ليشمل الأسواق الآسيوية التي تستحوذ على الحصة الأكبر من الطلب العالمي.
وبناء على ذلك، فإن الطرح القائل بإمكانية اعتماد سوريا كبديل استراتيجي لمضيق هرمز يبدو محدودا من حيث علاقته بالإشكالية الفعلية، التي تتمثل أساسا في تأمين تدفقات الطاقة نحو آسيا. وفي هذا الإطار، يبرز البحر الأحمر كبديل عملي أكثر واقعية، وهو ما يتجسد بالدرجة الأولى في خط الأنابيب السعودي “شرق – غرب”، الذي ينقل النفط من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بطاقة تصل إلى نحو 5 ملايين برميل يوميا، وهو أحد الخيارات الأساسية، إلى جانب خيارات أخرى.
خط ملاحي جديد
في السياق، وفي ظل التوترات المحيطة بمضيق هرمز، وضمن محاولات إحياء المسارات البديلة وتفعيلها، أعلنت شركة “إم إس سي”، أكبر شركة لنقل الحاويات في العالم، عن خط ملاحي جديد يربط بين عدة موانئ في أوروبا والشرق الأوسط عبر السعودية.
وذكرت الشركة، في بيان على صفحتها بمنصة شركة “إكس” الأميركية، أنها تطلق خدمة على خط ملاحي سريع باسم “أوروبا – البحر الأحمر – الشرق الأوسط”، موضحة أن الخط الجديد صمم لتلبية الطلب المتزايد وتوفير رحلات ربط موثوقة وفعالة في بيئة تشغيل معقدة.
وقالت الشركة العالمية الخاصة إن هذه الخدمة تربط موانئ أوروبية رئيسية مباشرة بميناءي الملك عبد الله وجدة في السعودية، المطلين على البحر الأحمر، إضافة إلى ميناء العقبة الأردني، مع إمكانية الربط بدول الخليج عبر وسائل نقل متعددة الوسائط، مشيرة إلى أن البضائع الواصلة إلى ميناء الملك عبد الله في السعودية سيتم نقلها برا إلى مدينتي الرياض والدمام، ثم إلى دول البحرين وقطر والإمارات والكويت في الخليج العربي.
وأشارت شركة “إم إس سي” إلى أن الخدمة الجديدة توفر خيارا مرنا لنقل مجموعة متنوعة من البضائع، ومن المقرر أن تنطلق الرحلة الأولى من ميناء مدينة أنتويرب البلجيكية في 10 أيار الجاري.
يشار إلى أن الشركة تسيطر على نحو 21.2 بالمئة من تجارة شحن الحاويات العالمية منذ تشرين الثاني 2025.
تعزيز التكامل
في سياق متزامن، كشفت الهيئة العامة للموانئ السعودية عن إطلاق 18 خدمة شحن ملاحية خلال الوضع الراهن، بما يدعم نمو الصادرات الوطنية ويعزز وصولها إلى الأسواق الدولية بكفاءة، ويرسخ مكانة المملكة بصفتها مركزا لوجستيا محوريا.
كما أصدرت وزارة النقل السعودية قرارا سمحت بموجبه، بشكل استثنائي ومؤقت حتى تاريخ 25 أيلول 2026، بدخول جميع أنواع الشاحنات القاصدة أراضيها أو العابرة لها ترانزيت، ومن بينها الشاحنات القادمة من الأردن وسوريا، مع تجاوز شرط العمر التشغيلي المحدد بـ22 سنة، وذلك في إطار تعزيز التعاون الإقليمي وتفعيل مسارات برية بعيدة عن هرمز.
وأشاد رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، بالسعودية لاستجابتها السريعة لأزمة النفط جراء حرب إيران، بعد أن حولت مسار أكثر من ثلثي صادراتها النفطية عبر خط أنابيب إلى البحر الأحمر، متجاوزة بذلك مضيق هرمز.
ومن شأن المسار الجديد أن يعزز دور السعودية كمركز لوجستي عالمي، مستفيدة من موقعها الجغرافي وبنيتها التحتية المتطورة، ضمن خططها الاستراتيجية لتنويع الاقتصاد وتطوير قطاع النقل والخدمات اللوجستية. كما يعتمد المسار الجديد على الاستفادة من البنية التحتية الإقليمية، بما في ذلك الممرات البحرية عبر مصر وقناة السويس، ما يعزز التكامل بين موانئ البحر الأحمر وشبكات النقل الإقليمي.
وبحسب تقرير نشرته إذاعة “دويتشه فيله” الألمانية، أعاد التصعيد الحالي إحياء مشاريع قديمة تهدف إلى تجاوز المضيق، بينها مشروع في المملكة العربية السعودية لإنشاء خط الأنابيب الشرقي – الغربي، الممتد إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، بينما دشنت الإمارات خط “حبشان – الفجيرة”، الذي ينقل الخام إلى بحر عمان بعيدا عن هرمز.
ويرى خبراء أن إحياء مشاريع خطوط الأنابيب العابرة للحدود يمثل انعطافة كبرى في الفكر الاقتصادي للمنطقة؛ فهو انتقال من مرحلة “التكيف مع الجغرافيا” إلى مرحلة “الاستثمار في تجاوزها”، مهما بلغت التكاليف المالية أو التعقيدات السياسية، لضمان تدفق الإمدادات بعيدا عن تقلبات المضائق المهددة.
الالتفاف حول المضيق
تعتمد البدائل المتاحة حاليا على شبكة محدودة من خطوط الأنابيب التي تسمح بتجاوز المضيق جزئيا، إلى جانب مسارات لوجستية مكملة لنقل النفط إلى الأسواق العالمية.
وأبرز هذه البدائل يتمثل في خط الأنابيب السعودي “شرق – غرب”، المعروف باسم “بترولاين”، الذي ينقل النفط من منشآت المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر. وتبلغ الطاقة التصميمية لهذا الخط نحو 5 ملايين برميل يوميا، مع إمكانية رفعها في بعض الظروف عبر استخدام خطوط مخصصة لسوائل الغاز الطبيعي لنقل الخام.
وتمتلك السعودية أكبر قدرة على الالتفاف حول المضيق بفضل هذا الخط، إذ يمكنها تصدير ما بين 5 و7 ملايين برميل يوميا عبره نحو البحر الأحمر، قبل أن تتجه الشحنات عبر باب المندب أو قناة السويس إلى الأسواق العالمية.
وفي المسار الثاني، تملك الإمارات خط “حبشان – الفجيرة”، الذي ينقل النفط من حقول أبوظبي البرية إلى الفجيرة على خليج عمان خارج هرمز، بطاقة تصل إلى نحو 1.8 مليون برميل يوميا، وهو ما يوفر منفذا مهما لكنه يظل محدود السعة قياسا بإجمالي صادرات الدولة.
كما يظهر خط الأنابيب المصري “سوميد” بوصفه حلقة لوجستية مكملة، إذ ينقل النفط من العين السخنة على خليج السويس إلى ميناء سيدي كرير على البحر المتوسط، بطاقة تقارب 2.5 مليون برميل يوميا، مما يسمح بإعادة شحن الخام إلى أوروبا بعد وصوله إلى البحر الأحمر.
وخط “سوميد” ليس بوابة بديلة عن هرمز بذاته، بل يفترض أولا وصول الخام إلى البحر الأحمر، مثلا عبر ينبع، ثم ضخه إلى المتوسط لإعادة الشحن نحو أوروبا.
النقل البري والسكك الحديدية
في السياق البري، تتحرك دول الخليج لتطوير شبكات السكك الحديدية والطرق البرية من أجل نقل البضائع، وتقليل الاعتماد على الموانئ المعرضة للخطر. ويعد مشروع سكة حديد مجلس التعاون الخليجي، بطول 2100 كيلومتر، أحد أبرز هذه المشاريع، والمستهدف إنجازه بحلول عام 2030.
كما عززت شبكة السكك الحديدية في الإمارات خدمات الشحن خلال الحرب، لنقل البضائع والحاويات بعيدا عن الموانئ الخليجية المستهدفة صوب منافذ شرقية أكثر أمانا. كما زادت السعودية من سعة شبكة السكك الحديدية لديها، وأطلقت خطوط شحن جديدة للبضائع العالقة.
يرى الكاتب والباحث السياسي، الدكتور ماهر التمران، أن ما يطرح هنا ليس مجرد خبر عن خط شحن جديد، بل جزء من قصة أكبر بكثير تتشكل بهدوء في خلفية المشهد الدولي. فالعالم بدأ يبتعد تدريجيا عن الاعتماد على نقاط ضيقة وحساسة مثل مضيق هرمز، ليس لأن هذا الممر فقد أهميته، بل لأن المخاطر المرتبطة به أصبحت أعلى من أن تترك من دون بدائل.
ويقول الدكتور التمران في حديث إلى “الثورة السورية”: هرمز اليوم يشبه صماما رئيسيا للطاقة العالمية يمر عبره جزء ضخم من تجارة النفط، لكنه في الوقت نفسه مكشوف للتوترات السياسية والعسكرية. وأي تصعيد في المنطقة يمكن أن ينعكس فورا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد حول العالم. لهذا السبب، بدأت الدول الكبرى والإقليمية تفكر بعقلية مختلفة: ليس استبدال هرمز، بل الالتفاف عليه.
ومن هنا نفهم التحركات الأخيرة، بحسب الباحث السياسي، مثل إطلاق خطوط شحن جديدة تمر عبر السعودية، وربطها بأفكار أوسع تتعلق بالممرات البرية والسككية التي تصل الخليج بأوروبا. هذه ليست مشاريع نقل فقط، بل إعادة تصميم لخريطة التجارة. ومشاريع مثل مشروع الممر الاقتصادي الهندي الشرق أوسطي الأوروبي تعبر عن هذا التوجه بوضوح: تقليل الاعتماد على المسارات التقليدية، وتوزيع المخاطر، وتسريع الحركة بين الشرق والغرب.
دور سوريا
وأوضح الدكتور التمران أن المنطقة ستتحول إلى شبكة مترابطة، بدل أن تكون مجرد خطوط عبور محدودة، وهنا تبرز سوريا كحالة خاصة. فجغرافيا، هي في قلب هذه الشبكة المحتملة. وموقعها يجعلها أقصر طريق بري يربط الخليج بتركيا ثم أوروبا، وبوابة طبيعية إلى شرق المتوسط، ونظريا يمكن أن تكون عقدة مركزية في أي ممر بري حقيقي بين هذه المناطق.
وبحسب الباحث السياسي، فإن ما يحدث اليوم هو انتقال واضح من عالم يعتمد على ممر واحد أو مسارين رئيسيين، مثل هرمز وقناة السويس، إلى عالم يقوم على شبكة من الممرات المتداخلة. وهذا التحول يقلل من قدرة أي نقطة واحدة على التأثير في الاقتصاد العالمي، ويزيد أهمية الدول التي تقدم الاستقرار والبنية التحتية والشراكات.
فالمسألة ليست لوجستية فقط، وفقا للتمران؛ فالسعودية تتحرك لتصبح مركزا لوجستيا عالميا، وأوروبا تبحث عن أمان في سلاسل التوريد، والولايات المتحدة تدعم مسارات تقلل من نفوذ خصومها، والصين تمضي بمشروعها الخاص عبر مبادرة الحزام والطريق.
ويخلص الدكتور التمران إلى القول: العالم يعيد رسم خرائطه الاقتصادية بهدوء، لكن بعمق. وسوريا، رغم عدم تحديد موضعها تماما ضمن اللعبة، لا تزال جغرافيا في موقع لا يمكن تجاوزه على المدى الطويل.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
