بقلم :جمعان علي العمير
بعد قراءة ما تفضّل به المهندس محمود محمد صقر في مقاله المنشور اليوم تحت عنوان “حين يتحول الاختلاف إلى خوف”تعليقًا على مقالي المنشور في “أخبار سوريا الوطن”، أود أن أؤكد تقديري للفكرة العميقة التي طرحها حول تحوّل الاختلاف إلى خوف داخل المجتمعات الخارجة من أزمات طويلة، وهي رؤية تتقاطع مع ما سعيت إلى توضيحه، ولا سيما أن الدولة الجديدة تعمل اليوم فوق أرضٍ ليست ممهدة، بل مثقلة بإرثٍ ثقيل خلّفه النظام البائد الذي لم يكتفِ بتخريب الاقتصاد والمؤسسات، بل ضرب بنية الثقة داخل المجتمع، وعمّق الانقسامات، وترك وراءه ثقافة مشوّهة تجعل أي رأي مختلف يبدو تهديدًا، وأي نقد يبدو اصطفافًا، وأي محاولة للتصحيح تُفهم وكأنها استهداف.
إن الدفاع عن الدولة الجديدة ليس موقفًا عاطفيًا، بل ضرورة وطنية، لأنها جاءت لتعيد بناء ما دمّره النظام السابق، ولتواجه اقتصادًا منهكًا ومؤسساتٍ جرى تفريغها عمدًا، ولتتعامل مع مجتمع أنهكته سنوات الصراع وفقدان الثقة، ولذلك فإن أي نقد يُوجَّه اليوم يجب أن يُفهم ضمن سياق إعادة البناء لا ضمن سياق الهدم، فالدولة الجديدة تعمل في ظروف استثنائية، وتتحمل عبئًا لم تصنعه، وتواجه تحديات لم تكن سببًا فيها، ومع ذلك فهي تمضي في مسار إصلاحي واضح يستند إلى إعادة تفعيل المؤسسات، وضبط الفساد، وترميم الاقتصاد، وفتح المجال أمام المشاركة المجتمعية المسؤولة.
وما أشار إليه الأستاذ محمود حول ضرورة إدارة الاختلاف لا إلغائه هو أمر جوهري، لكن من المهم أيضًا إدراك أن الدولة الجديدة تحتاج إلى بيئة مستقرة تسمح لها بالعمل، وأن حماية مسارها الإصلاحي تتطلب وعيًا بأن النقد البنّاء يجب أن يكون داعمًا للتصحيح لا معيدًا لإنتاج الفوضى التي استفاد منها النظام البائد لسنوات طويلة. إن الدولة الجديدة لا تخشى الرأي الآخر، بل تعتبره عنصرًا من عناصر القوة، لكنها في الوقت نفسه تحتاج إلى خطاب وطني مسؤول يدرك حساسية المرحلة، ويعي أن إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع هي عملية طويلة تتطلب شراكة حقيقية، وأن سوريا لن تتجاوز إرثها الثقيل إلا حين يصبح الحوار قاعدة، والاختلاف وسيلة للتطوير، والدولة إطارًا جامعًا يحمي الجميع، لا ساحة صراع يعاد فيها إنتاج الانقسام.
وما نحتاجه اليوم هو أن نرسّخ ثقافة وطنية جديدة تدرك أن قوة الدولة ليست في إسكات الأصوات، بل في قدرتها على استيعابها، وأن قوة المجتمع ليست في التشابه، بل في إدارة تنوعه دون خوف، وأن المستقبل لن يُصنع إلا حين تتكامل الجهود دفاعًا عن الدولة الجديدة ومسارها، لأنها اليوم تمثل الفرصة الأخيرة للخروج من إرث الماضي وبناء وطن يستحقه أبناؤه.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
