آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » بين قوة المال السياسي والنفوذ المتآكل: «أيباك» في المشهد الانتخابي الأميركي

بين قوة المال السياسي والنفوذ المتآكل: «أيباك» في المشهد الانتخابي الأميركي

 

بقلم: حسن حردان

 

شهدت العقود الأخيرة تحوّلات عميقة في طبيعة عمل لجان الضغط السياسي في الولايات المتحدة، وتُعدّ لجنة الشؤون العامة الأميركية ـ الإسرائيلية، المعروفة اختصارًا بـ«أيباك»، النموذج الأبرز لهذه التحوّلات.

 

فبينما تحافظ المنظمة على صدارة المشهد من حيث القدرة المالية والتعبوية الهائلة، تشير المعطيات المتراكمة واستطلاعات الرأي الحديثة إلى مفارقة لافتة، تتمثل في تراجع نوعي في تأثيرها السياسي ونفوذها المعنوي، لا سيما مع تصاعد الاستقطاب وتغيّر أولويات الناخب الأميركي.

 

أولًا: الوفرة المالية مقابل التراجع المعنوي

 

على المستوى المالي البحت، لم يشهد نفوذ «أيباك» انكماشًا، بل سجّل تصاعدًا قياسيًا، مدعومًا بلجان العمل السياسي التابعة لها، مثل «لجنة مشروع الديمقراطية المتحدة» (United Democracy Project).

 

حجم الإنفاق القياسي: تُظهر بيانات رصد الحملات والتقارير المقدّمة إلى لجنة الانتخابات الفيدرالية أن الكتل المالية للوبي تجاوزت حاجز الـ100 مليون دولار خلال الدورات الانتخابية التشريعية.

 

الاستنزاف مقابل النتائج: رغم ضخ ملايين الدولارات في سباقات حاسمة، مثل الإنفاق التاريخي الذي تجاوز 30 مليون دولار في ولاية ميشيغن لمواجهة شخصيات بارزة، فإن النتائج أثبتت أن الأموال الطائلة وحدها لم تعد قادرة على ضمان الحسم المطلق، في ظل تصاعد الأصوات الرافضة للسياسات التقليدية.

 

التستّر التكتيكي: نتيجةً لردود الفعل الشعبية السلبية، كشفت تقارير استقصائية لمواقع رصد، مثل Sludge وThe American Prospect، عن لجوء اللجان المرتبطة باللوبي إلى توجيه الأموال عبر شبكات فرعية ولجان تحمل أسماء محلية، لتجنّب الربط المباشر باسم «أيباك».

 

ثانيًا: استطلاعات الرأي العام والتحوّل في المزاج الشعبي

 

تتطابق المعطيات الانتخابية مع مؤشرات الرأي العام؛ إذ تُظهر بيانات مركز «بيو» للأبحاث أن نظرة الشارع الأميركي إلى سياسات الحكومة الإسرائيلية سجّلت مستويات غير مسبوقة من السلبية والانخفاض، لا سيما بين قطاعات واسعة من الناخبين الشباب والديمقراطيين والمستقلين.

 

أزمة معيشة الناخب: تشير تحليلات نشرتها منصات، مثل «لوس أنجلوس التقدمية»، إلى اصطدام الإنفاق الخارجي الضخم للوبيات بالهموم الاقتصادية المباشرة للناخب الأميركي، مثل تكلفة المعيشة وأسعار الوقود. وقد جعل ذلك التركيز على تمويل صراعات الشرق الأوسط موضع تساؤل حاد، وأصبح، في كثير من الدوائر، عبئًا سياسيًا بدل أن يكون ميزة تنافسية.

 

ثالثًا: انقسامات الحزب الديمقراطي وتمرد القواعد

 

يُعدّ الحزب الديمقراطي المرآة الأكثر وضوحًا لهذا التآكل في النفوذ المعنوي، حيث تحوّلت العلاقة التقليدية بين قيادة الحزب واللوبي إلى ساحة مواجهة.

 

فقدان الشرعية التوافقية: يرفض قطاع واسع من القاعدة الديمقراطية الهيمنة المالية للوبيات الخارجية، معتبرين أنها تتعارض مع مبادئ العدالة والديمقراطية.

 

مقاومة التيار التقدمي: نجح عدد من المرشحين التقدميين في حشد القواعد الشعبية وتجاوز الحملات الإعلانية الضخمة المموّلة ضدهم، مستندين إلى خطاب ينتقد سيطرة أصحاب الأموال والمليارديرات على القرار السياسي.

 

رابعًا: تحدّي «الشعبوية» داخل الحزب الجمهوري

 

على الجانب الآخر، اتخذ التعامل داخل الحزب الجمهوري مسارًا مختلفًا؛ إذ تحرص القيادات التقليدية على دعم الثوابت الاستراتيجية للوبي، إلا أن المنظمات الموالية لـ«إسرائيل» واجهت ضغوطًا متزايدة بسبب تمدّد التيارات الشعبوية وشعار «أميركا أولًا»، التي تطالب بتقليص الانخراط الأميركي في الخارج.

 

وقد دفع ذلك اللوبي إلى ضخ أموال مكثفة في الانتخابات التمهيدية، بهدف فرض الانضباط الحزبي وحماية حلفائه من أي نزعة نحو الانعزال أو الحياد في السياسة الخارجية.

 

خلاصة القول

 

تؤكد المعطيات المستندة إلى تقارير المال السياسي واستطلاعات مركز «بيو» للأبحاث أن «أيباك» تعيش مرحلة مفارقة كبرى: فهي تمتلك قدرة مالية هائلة تمكّنها من تمويل الحملات وشراء المساحات الإعلانية لحماية حلفائها، لكنها تفقد، بمرور الوقت، جزءًا من رصيدها الاستراتيجي بوصفها قوة إجماع وطني.

 

وبفعل تصاعد الاستقطاب السياسي والاجتماعي حولها، تتحوّل «أيباك» تدريجيًا إلى عنوان رئيسي في النقاش العام الأميركي حول حدود تأثير المال السياسي في القرار السياسي، وحول العلاقة بين جماعات الضغط، والانتخابات، وإرادة الناخب الأميركي

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مقومات وركائز الدولة الحديثة

المهندس مكرم عبيد     تتلخص أبرز مقومات وركائز الدولة الحديثة في المحاور التالية: أولاً: الركائز المؤسسية والقانونية 1. احتكار الاستخدام المشروع للقوة (Monopoly of ...