آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » حين يتحول الاختلاف إلى خوف..!!

حين يتحول الاختلاف إلى خوف..!!

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

بعد قراءة مقال الأستاذ جمعان علي العمير، في “أخبار سوريا الوطن”يوم امس لم يتوقف ذهني طويلًا عند توصيف الواقع الاقتصادي والسياسي فقط، بقدر ما توقف عند فكرةٍ أعمق أثارت في داخلي سؤالًا قديمًا يتكرر كلما مرت المجتمعات بأزماتها الكبرى:

كيف تتحول المجتمعات من الاختلاف الطبيعي…إلى حالة انقسامٍ تخشى فيها كل جهةٍ الأخرى؟
فالاختلاف، في جوهره، ليس مرضًا يصيب الأوطان،بل ظاهرة طبيعية ترافق أي مجتمع حيّ.

لا توجد أمة تفكر بالطريقة نفسها،
ولا مجتمع بلا آراء متعددة،
ولا دولة مستقرة من دون مساحة للنقد والمراجعة والسؤال.

لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الاختلاف من محاولةٍ للفهم والإصلاح، إلى خوفٍ متبادل،
أو إلى حالة اصطفافٍ دائم
يفقد فيها الناس قدرتهم على رؤية بعضهم خارج ثنائية:
مع… أو ضد.

وفي المجتمعات التي عاشت طويلًا داخل الصراعات والانقسامات،
تصبح الحساسية تجاه النقد أعلى بكثير،
لأن الذاكرة نفسها تكون مثقلة بالخوف، وبالتجارب القاسية،
وبفقدان الثقة المتراكم عبر السنوات..وهنا، قد يتحول أي رأي مختلف إلى تهديد، وأي نقد إلى اتهام، وأي محاولةٍ للمراجعة
إلى معركة جديدة.

لكن المجتمعات لا تنضج بإلغاء الاختلاف، بل بتعلّم كيفية إدارته..
فالمعارضة البنّاءة ليست خطرًا على الدولة، بل قد تكون أحد شروط بقائها صحيّة وقادرة على التصحيح،
تمامًا كما أن السلطة، في معناها الحقيقي، لا تُقاس فقط بقدرتها على السيطرة، بل بقدرتها على حماية المجتمع من الانقسام والفوضى معًا.

ولهذا، فإن أخطر ما يمكن أن تصل إليه المجتمعات ليس وجود رأيين مختلفين، بل فقدان المساحة المشتركة بينهما،حين يصبح كل طرف مقتنعًا أن الآخر لا يمكن أن يكون شريكًا في الوطن، بل خصمًا وجوديًا يجب إسقاطه أو إلغاؤه.

وهنا تبدأ المجتمعات بالدخول في دوائر استنزاف طويلة، يختلط فيها الخوف بالغضب، والنقد بالكراهية،
والسياسة بردود الفعل. وربما لهذا،
لا تحتاج مجتمعاتنا اليوم فقط إلى حلول اقتصادية أو سياسية، بل إلى إعادة بناء ثقافة الاختلاف نفسها.

ثقافة ترى في النقد فرصةً للمراجعة،
لا تهديدًا، وفي المعارضة مساحةً للتصحيح، لا دعوةً للهدم، وفي الدولة إطارًا جامعًا للجميع،
لا معسكرًا لطرفٍ ضد آخر.

فالديمقراطية الحقيقية لا تعني غياب الخلاف، بل القدرة على إدارة الخلاف دون أن ينهار المجتمع.

وربما يكون الوعي الحقيقي
هو أن نفهم أخيرًا أن الأوطان لا تُبنى بالصوت الأعلى، ولا بالخوف المتبادل، بل بالقدرة على إبقاء الباب مفتوحًا أمام الجميع ، حتى في أكثر اللحظات صعوبة …

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين تصبح الذاكرة الوطنية في خطر 

بقلم: سمير حماد   أليس من المؤلم أن يرى كل طرف من المكونات السورية،التاريخ والواقع من منظاره وحده، وكأن الحقيقة لا تتسع إلا لرواية واحدة؟ ...