آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » ما بين المنظِّر السياسي والممارس السياسي

ما بين المنظِّر السياسي والممارس السياسي

 

 

د. عبد الكريم بكار

 

*المنظِّر السياسي: مهندس الرؤية وبوصلة القيم

 

المنظِّر هو الشخص الذي يملك “ترف المسافة”؛ فهو لا يجلس في غرف المفاوضات المغلقة، بل يجلس في مكتبته ليرى الصورة الكاملة من أعلى.

 

وظيفته الأساسية هي تفكيك الواقع القائم، وإعادة تركيب واقعٍ بديلٍ أفضل. وهو الذي يطرح الأسئلة الصعبة: لماذا تطيع الشعوب الحكام؟ ما العدالة؟ وكيف نمنع الطغيان؟

 

أدواته هي: المفاهيم، والتحليل التاريخي، والفلسفة.

 

أما نقطة ضعفه فهي الميل إلى النقاء الفكري والتفكير خارج قيود الواقع. فقد يضع المنظِّر تصورًا لمدينة فاضلة، لكنه ينسى أحيانًا أن البشر ليسوا ملائكة، وأن التطبيق الحرفي للأفكار المطلقة قد يقود إلى كوارث، كما حدث في بعض التطبيقات المتطرفة للأيديولوجيات في القرن العشرين.

 

*الممارس السياسي: فنان الممكن واللاعب على مسرح الأحداث

 

الممارس هو الشخص الذي يضع يده في “عجينة الواقع”؛ فهو رئيس الوزراء، أو النائب في البرلمان، أو الدبلوماسي الذي يستيقظ صباحًا ليجد أمامه أزمة اقتصادية، وتهديدًا عسكريًا، وشعبًا يطالب بحلول فورية.

 

وظيفته الأساسية هي إدارة المصالح المتضاربة، وتحقيق الاستقرار، أو إحراز التقدم خطوةً بعد خطوة. وهو يدرك أن السياسة هي “فن الممكن”، وليست فن “المأمول”.

 

أما أدواته فهي التسوية والمناورة؛ فالمنظِّر يرى في التسوية نوعًا من التنازل عن المبدأ، بينما يراها الممارس الوسيلة الوحيدة أحيانًا لمنع السفينة من الغرق. إنه يتعامل مع موازين القوى على الأرض، ويؤمن بأن نصف انتصار خيرٌ من هزيمة كاملة في سبيل فكرة عظيمة.

 

أما نقطة ضعفه فهي البراغماتية المفرطة، التي قد تنزلق إلى الانتهازية. فإذا انفصل عن النظرية، وتجاهل القيم الكبرى، تحول إلى “تاجر مواقف” بلا مبدأ، لا يشغله سوى البقاء في السلطة، فتغدو سياسته بلا روح ولا اتجاه.

 

*الجدلية الكبرى: كيف يلتقيان؟

 

إن التاريخ السياسي العظيم هو ثمرة لقاء ناجح بين هذين القطبين.

 

فالمعادلة الصحيحة للتغيير تقول: المنظِّر يحدد إلى أين ينبغي أن نذهب، والممارس يجد الطريق الآمن للوصول إلى تلك الغاية.

 

وخلاصة القول أن العلاقة بينهما علاقة توتر دائم وتكامل حتمي؛ فالمنظِّر يتهم الممارس بالتنازل والخيانة للمبادئ، بينما يتهم الممارس المنظِّر بالعيش في أبراج عاجية لا تدرك كلفة اتخاذ القرار. غير أن الحقيقة هي أنهما وجهان لعملة واحدة اسمها الحضارة الإنسانية.

 

واللافت للنظر أن لدى كثير من الشعوب شغفًا كبيرًا بالتنظير السياسي والحضاري، ولا يعادله في القوة إلا العزوف عن المشاركة في العمل السياسي المنظم، مثل الانتماء إلى حزب، أو المشاركة في مظاهرة، أو التوقيع على بيان احتجاجي، أو حضور دورة في التثقيف السياسي.

 

إنها حالة مرضية بائسة.

 

أُعيذ المسلم الصادق الواعي من التلبس بها

(أخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من يقف وراء التفجير الإرهابي في دمشق..؟

    أحمد رفعت يوسف   في قراءة تحليلية، للتفجير الإرهابي، الذي حصل في دمشق، خلال زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، يبدو ان الفيديو الذي ...