آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » مباحثات سورية – فرنسية.. نحو شراكة اقتصادية تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية

مباحثات سورية – فرنسية.. نحو شراكة اقتصادية تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية

فؤاد الوادي

لعبت باريس منذ سقوط النظام المخلوع دورا فاعلا في دعم الدولة الجديدة، حيث كان لحضورها في المشهد السوري أثر كبير في تجاوز بعض العقبات السياسية، بما مهد للانخراط في التعاون الاقتصادي والانفتاح على آفاق وعلاقات أكثر تطورا واتساعا.

وكانت فرنسا من أوائل الدول التي أبدت دعمها لدمشق، كما كانت، بالتوازي، أول دولة أوروبية يقصدها الرئيس الشرع لتعزيز العلاقات السياسية والاتفاقيات الاقتصادية، ثم تكلل الدور الفرنسي الجديد برعاية الرئيس ماكرون مؤتمر باريس حول سوريا، الذي تمكن من حشد دعم كبير تجسد في حضور وزراء خارجية وممثلين عن 20 دولة.

وكان لا بد أن يوازي الحضور السياسي لفرنسا الحضور الاقتصادي ويواكبه، ولا سيما أن الواقع السوري مهيأ لخيارات وفرص استثمارية كبيرة، في ضوء الإمكانيات والتجارب الكبيرة التي تملكها فرنسا في مجالات كثيرة، كالنقل والطاقة ودعم تمويل المشاريع التنموية، في سياق التعاون القائم مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ونتائج اجتماعات الربيع التي عقدت في واشنطن، ودفع عجلة التعاون مع الاتحاد الأوروبي بعد قرار الاتحاد الأوروبي الأخير بالانفتاح الكامل على سوريا.

إعادة تموضع واستثمار للفرصة

ويؤكد الباحث الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي، في تصريح لـ”الثورة السورية”، أن المباحثات السورية الفرنسية حول تعزيز التعاون الاقتصادي والاستثماري تشير إلى تحول لافت في طبيعة العلاقات بين البلدين، يتمثل في بداية مرحلة جديدة تتجاوز العلاقات السياسية التقليدية نحو شراكة ذات طابع اقتصادي واستراتيجي أوسع، مضيفا أن هذا التقارب لا يأتي بمعزل عن التحولات التي تشهدها المنطقة والعالم، بل يعكس إدراكا متبادلا لحجم الفرص التي يمكن أن تنشأ عندما تتقاطع مصالح دولة تسعى إلى إعادة بناء اقتصادها واستعادة موقعها، مع دولة أوروبية تمتلك أدوات التأثير والخبرة والقدرة على لعب دور محوري داخل المنظومة الأوروبية.

وأوضح الزنبركجي أن فرنسا، بحكم ثقلها السياسي والاقتصادي وقدرتها على الدفع باتجاه مقاربات أكثر انفتاحا وواقعية، يمكنها التأثير في شكل العلاقة بين سوريا وأوروبا، ولا سيما أن هذا الدور لا يقتصر على البعد السياسي، بل يمتد ليشمل تسهيل إعادة ربط سوريا تدريجيا بالقنوات الاقتصادية والمالية الأوروبية، وفتح المجال أمام عودة الاستثمارات، ونقل الخبرات، وإعادة تفعيل التعاون في مجالات حيوية كانت مجمدة لسنوات. كما أن التحول في المقاربة الفرنسية، من موقف سياسي حاد إلى توجه أكثر براغماتية قائم على المصالح المشتركة، يعكس رغبة في استثمار اللحظة الإقليمية لإعادة التموضع وتعزيز الحضور في منطقة تشهد إعادة تشكيل في موازين القوى.

في المقابل، تسعى سوريا إلى استثمار هذا الانفتاح لإعادة تنشيط اقتصادها الذي تعرض لتحديات عميقة، والعمل على جذب الاستثمارات الخارجية كمدخل أساسي لمرحلة التعافي، خصوصا أن الموقع الجغرافي لسوريا يشكل في هذا الإطار أحد أهم عناصر القوة، إذ يمنحها إمكانية لعب دور محوري في الربط بين الشرق والغرب، وبين مصادر الطاقة والأسواق المستهلكة، ولا سيما أن التحولات التي طرأت على خريطة الطاقة العالمية أظهرت أهمية إيجاد مسارات بديلة وآمنة لنقل الطاقة، ما يضع سوريا في موقع يمكن أن يتحول إلى نقطة ارتكاز في هذا المجال، إذا ما توفرت الظروف المناسبة للاستثمار والتطوير.

وضمن هذا السياق، يبرز قطاع الطاقة، بحسب الباحث الاقتصادي، بوصفه أحد أبرز مجالات التعاون المحتملة بين البلدين، ليس فقط من حيث إعادة تأهيل البنية التحتية المتضررة، بل أيضا من حيث تطوير مشاريع جديدة تعزز من دور سوريا ممرا إقليميا للطاقة، وهذا القطاع يحمل أهمية مضاعفة، لأنه يجمع بين البعد الاقتصادي المباشر والبعد الاستراتيجي طويل الأمد، ويشكل نقطة تقاطع واضحة بين المصالح السورية والفرنسية والأوروبية.

إلى جانب ذلك، تمتد فرص التعاون إلى مجالات أخرى لا تقل أهمية، مثل إعادة إعمار البنية التحتية، وتطوير قطاع النقل، وتنشيط السياحة، وإعادة بناء المنظومة المصرفية، وهي كلها قطاعات تحتاج إلى استثمارات وخبرات يمكن لفرنسا أن تساهم فيها بفاعلية.

ويشدد الزنبركجي على أن هذا التعاون يكتسب بعدا إضافيا من حيث قدرته على دعم الاستقرار الاقتصادي، إذ يمكن أن يسهم في خلق فرص عمل، وتحسين مستوى الخدمات، وتعزيز الإنتاج المحلي، ما ينعكس إيجابا على مجمل الوضع الاقتصادي. كما أن انخراط فرنسا في هذا المسار قد يسهل وصول سوريا إلى موارد وخبرات أوروبية أوسع، سواء عبر تشجيع الاستثمارات أو من خلال دعم مشاريع تنموية، ما قد يساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للنمو.

ويضيف الزنبركجي أن تحويل هذه المباحثات إلى نتائج ملموسة يبقى مرتبطا بجملة من التحديات والشروط، وفي مقدمة هذه الشروط تأتي ضرورة توفير بيئة استثمارية مستقرة وواضحة، تتسم بالشفافية وتوفر الضمانات القانونية للمستثمرين، إلى جانب تبسيط الإجراءات الإدارية وتحسين البنية التحتية. كما أن الاستقرار الاقتصادي والإداري يشكل عاملا حاسما في جذب الاستثمارات طويلة الأجل، خصوصا في قطاعات تتطلب رؤوس أموال كبيرة وفترات زمنية طويلة لاسترداد التكاليف.

من جهة أخرى، ووفقا للزنبركجي، فإن هذه الشراكة المحتملة تعكس تقاطعا أوسع في الرؤية بين البلدين، حيث تسعى فرنسا إلى تعزيز حضورها في المنطقة عبر أدوات اقتصادية واستثمارية، بينما تعمل سوريا على توظيف موقعها وإمكاناتها لتكون جزءا من التحولات الاقتصادية الكبرى التي يشهدها الإقليم، خاصة في مجالات الطاقة والتجارة. وهذا التقاطع يفتح الباب أمام بناء علاقة تقوم على تبادل المصالح وليس فقط على الاعتبارات السياسية، ما يمنحها فرصا أكبر للاستمرار والتطور.

وختم الباحث الاقتصادي المتخصص في التخطيط الاستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي حديثه بالقول: “إن المباحثات السورية الفرنسية لتعزيز فرص التعاون تمثل خطوة أولى في مسار طويل نحو إعادة بناء علاقة اقتصادية أكثر عمقا وتوازنا، تقوم على استثمار الإمكانات المتاحة لدى الطرفين وتوجيهها نحو تحقيق مكاسب مشتركة. وإذا ما تم إدارة هذا المسار ضمن رؤية واضحة ومتكاملة، فإنه يمكن أن يسهم في دعم التعافي الاقتصادي في سوريا، وفتح آفاق جديدة للاستثمار، وتعزيز موقعها كحلقة وصل في شبكة الاقتصاد الإقليمي والدولي، لكن النجاح في تحقيق هذه الأهداف سيبقى مرهونا بمدى القدرة على معالجة التحديات القائمة وتوفير بيئة مناسبة تتيح تحويل الفرص النظرية إلى واقع اقتصادي ملموس ومستدام”.

دعم مسار التعافي والنهوض

وزير المالية محمد يسر برنية بحث مع القائم بأعمال السفارة الفرنسية في دمشق جان باتيست فايفر سبل تطوير التعاون الاقتصادي والمالي بين سوريا والمؤسسات الأوروبية والدولية، في إطار مساع لدعم مسار التعافي الاقتصادي. كما تناول الاجتماع احتياجات تمويل المشاريع التنموية في البلاد، ودور المؤسسات الفرنسية والأوروبية في هذا المجال، إلى جانب مناقشة التعاون القائم مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، ونتائج اجتماعات الربيع التي عقدت في واشنطن، إضافة إلى سبل تعزيز دعم دول الاتحاد الأوروبي، خصوصا في ما يتعلق بالمشاريع التنموية المستدامة، ولا سيما في المناطق المتضررة، مع إعطاء أولوية لمناطق الجزيرة السورية والجنوب، إلى جانب دعم مبادرة “سوريا بلا مخيمات” التي تستهدف تحسين الواقع الخدمي والمعيشي في عدد من المحافظات.

والاثنين الفائت، بحث وزير النقل يعرب بدر مع فايفر التعاون المشترك في مجال تنفيذ مشاريع قطاع النقل، بما يسهم في دعم جهود تطوير البنى التحتية وإعادة تأهيلها، حيث تناول اللقاء توسيع مجالات التعاون السوري الفرنسي في هذا القطاع، وتشجيع الاستثمارات الخارجية للمساهمة في إعادة إعمار البنى التحتية، إلى جانب مناقشة آليات متابعة المشاريع ذات الاهتمام المشترك وتطويرها.

وأكد الوزير بدر أهمية تعزيز الشراكات الدولية في دعم قطاع النقل، ولا سيما في مرحلة إعادة الإعمار، مشيرا إلى الفرص المتاحة للتعاون والاستثمار في مجالات السكك الحديدية والطرق العامة والجسور، إضافة إلى المشاريع المستقبلية التي تعمل الوزارة على تنفيذها ضمن رؤيتها لتطوير القطاع ورفع كفاءته.

وأوضح الوزير أن تطوير البنى التحتية للنقل يشكل ركيزة أساسية لدعم التنمية الاقتصادية، لافتا إلى أهمية استقطاب الاستثمارات الخارجية للمساهمة في تنفيذ المشاريع الحيوية وتسريع وتيرة إعادة التأهيل والترميم.

من جهته، بين القائم بأعمال السفارة الفرنسية أن هذا اللقاء يأتي في إطار سلسلة اجتماعات تحضيرية تهدف إلى تعزيز التعاون الاقتصادي بين الجانبين، وبحث مجالات التعاون الممكنة في قطاع النقل، بما يخدم المصالح المشتركة.

ويأتي هذا اللقاء في إطار تعزيز التعاون بين سوريا وفرنسا في مجال تطوير قطاع النقل وبنيته التحتية، حيث أجرت الوزارة مباحثات سابقة في شهر أيلول الماضي مع وفد فرنسي برئاسة فايفر، وبحضور مجموعة من مجلس سوريا المستقبل، حول تطوير مجالات العمل في مشاريع النقل بين سوريا والدول الأوروبية.

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

بمناسبة حلول موسم قطافه: الزيتون.. ثروة اقتصادية سورية تبحث عن دعم إنتاجي وتسويقي يوازي مكانتها

بقلم : محمد الخطيب تُعدّ شجرة الزيتون من أقدم الأشجار المزروعة في بلاد الشام، وتشير دراسات عديدة إلى أن موطنها الأصلي يقع في فلسطين، بوصفها ...