د. سلمان ريا
لم يعد الشرق الأوسط ساحة أزمات منفصلة، بل فضاءً واحدًا يعاد تشكيله تحت ضغط الحرب والطاقة واختناق الممرات. ما يجري اليوم لا يقتصر على توترات سياسية أو نزاعات تقليدية، بل يعكس انتقالًا أعمق: الجغرافيا نفسها تتحول إلى أداة صراع وإعادة توزيع قوة.
أظهرت التوترات في مضيق هرمز أن العالم لم يعد يواجه مشكلة في إنتاج الطاقة فقط، بل في ضمان تدفقها. فتعطّل هذا الممر لا يهز أسعار النفط فحسب، بل يعيد رسم طرق التجارة العالمية، ويدفع إلى البحث عن مسارات بديلة أكثر كلفة وأقل استقرارًا، من الالتفاف حول أفريقيا إلى إعادة تشغيل موانئ وممرات غير تقليدية في الخليج وخارجه.
في هذا السياق، تعود سوريا إلى الواجهة بوصفها احتمالًا لممر طاقة وربط اقتصادي بين الخليج وشرق المتوسط وأوروبا. غير أن هذا الاحتمال يصطدم بواقع شديد التعقيد: بنية تحتية مدمرة، هشاشة أمنية، وغياب بيئة استثمار مستقرة. بمعنى آخر، الجغرافيا السورية تملك قيمة استراتيجية عالية، لكن تحويلها إلى وظيفة اقتصادية فعلية ما يزال مهمة طويلة وشديدة الكلفة.
في المقابل، تتحرك تركيا سريعًا لتثبيت موقعها داخل هذا التحول، عبر توسيع حضورها في شرق المتوسط ومحاولة إعادة صياغة دورها كممر طاقة لا يمكن تجاوزه. لكن هذا المسار يفتح بدوره صراعًا مع قوى إقليمية أخرى، ما يجعل المنطقة أقرب إلى إعادة توزيع نفوذ مستمر منها إلى تسوية مستقرة.
أما غزة، فهي تقدم النموذج الأكثر وضوحًا على حالة الجمود الإقليمي: لا حرب حاسمة ولا سلام فعلي، بل إدارة مستمرة للأزمة دون أفق سياسي واضح، فيما تتعمق الكلفة الإنسانية ويستمر الفراغ السياسي.
المشترك بين هذه الملفات أن المنطقة كلها تتحرك حول فكرة واحدة: من يسيطر على الممرات يحدد شكل المستقبل. لم تعد الطاقة وحدها مصدر القوة، بل القدرة على التحكم في طرق عبورها. ولم تعد الحدود السياسية كافية لفهم النفوذ، بل الشبكات التي تربط البحر بالبر، والشرق بالغرب.
لكن هذه التحولات لا تتجه نحو استقرار واضح بعد. فالممرات القديمة ما تزال تعمل جزئيًا، والجديدة لم تكتمل، والتوازنات الإقليمية ما تزال في حالة سيولة. لذلك تبدو المرحلة أقرب إلى انتقال طويل وغير محسوم، تختلط فيه الفرص الكبيرة بالمخاطر العميقة.
الشرق الأوسط اليوم لا يُعاد تقسيمه سياسيًا فقط، بل يُعاد تعريفه اقتصاديًا وجغرافيًا في آن واحد. وبين اكتمال هذا التحول أو تعثره، تقف المنطقة في مساحة مفتوحة: لا هي مستقرة، ولا هي في فوضى كاملة، بل في مرحلة إعادة تشكل لم تُحسم بعد.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
