آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الاجتهاد والاختلاف..لزوم مايلزم

الاجتهاد والاختلاف..لزوم مايلزم

 

بقلم: نواف يونس

 

تسنى لي أن أعيش في قاهرة المعز فترة الستينيات من القرن الفائت والاحتكاك بجيل متميز من الأدباء والمفكرين والفنانين، فقد تتلمذنا على يدهم وتعلمنا منهم تقبل الاختلاف في الرأي، وتشجيعهم لنا على الاجتهاد وأهمية الحضور الخلاق في إبداعنا وسلوكنا وأفكارنا، لأن الاجتهاد يفتح باب الإبداع بعيداً عن الاتباع، وهو ما أفسح أمامنا المجال نحو كل العلوم والمعارف التي نستفيد منها، وضرورة تقبل الآخر بعيداً عن النعرات العرقية أو الفكرية أو الاستعلائية.

كما أتاحوا لنا حق الاختلاف معهم ومناقشتهم والتحاور معهم، لذا لم نجد بيننا أي صراع، رغم الاختلاف والتنوع مهما كان التباعد فكرياً أو سياسياً أو منهجياً، فقد رسخوا بيننا قيمة التنوع الذي يجمع بيننا وبينهم، ما وسع من أفق تفكيرنا وإدراكنا أن التنوع دليل الثراء والاجتهاد، لذا كانت الندوات والأماسي الأدبية والفكرية والفنية
تشهد ذلك التفاعل العميق في المفاهيم الواعدة، التي تستوعب أغلب التناقضات وتتجاوزها نحو إبداع متنوع خلاق.

وفي آخر حواراتي مع الصديق الزميل محمد صابر عرب وزير الثقافة المصرية، قبيل رحيله، ونحن من جيل واحد نهل من منابع أصيلة فكرياً وأدبياً وعلمياً، حدثني في نفس الموضوع عن التقاليد التي أرستها الجامعات المصرية ما دفع بالجيل الأول المؤسس إلى إقامة علاقة متينة مع الجيل اللاحق لهم الذي واصل هذا الفكر التنويري لتأصيل تلك التقاليد واستمراريتها مع تتابع الأجيال وهو ما كان قد أكده لنا، جل النقاد والمفكرين العرب هنا وهناك، ما أدى إلى أن تثرى الثقافة بالاختلاف وتزدهر بالتنوع، وتتوج بالإبداع الحقيقي المتكئ على الوعي والإدراك، والفهم والمبادئ الأصيلة.

وتطرق الحديث بيننا ليستشهد الراحل صابر عرب بموقف عميد الأدب العربي طه حسين، واختلافه مع تلاميذه من الشباب أمثال، محمود أمين العالم، وعبد العظيم أنيس، وعبد الرحمن الشرقاوي، وإصراره على مجادلتهم وحوارهم، بل والاختلاف معهم أيضاً، فقد كان سعيداً بمجادلتهم ويصر على مناقشة أفكارهم، ويتابع الكتابة عنهم في أدبياته ومقالاته، حرصاً منه على تشجيع الأجيال
الجديدة، حتى إنه ممن وقف مع يوسف إدريس، بعد إصداره مجموعته القصصية الأولى «أرخص الليالي»، وما واجهته من قراءات ونقد فني وأدبي، حول مضامينها وأبعادها الفكرية، وتقنياتها الفنية، ليؤكد بذلك رحابته في تقبل آرائهم وأفكارهم وإبداعهم.

وبهذا الموقف، تفادي عميد الأدب العربي المواقف المتصلبة، التي اتخذها بعض النقاد والأدباء والمفكرين وفي مقدمتهم الأديب الكبير العقاد والاختلاف معه حول قضية التجديد في الشعر، خصوصاً الشعر الحر «التفعيلة»، عندما أحال الدواوين المشاركة في مسابقة شعرية إلى لجنة النثر، حين كان رئيساً للجنة الشعر في المجلس الأعلى الرعاية الفنون والآداب.

في عصرنا الحالي، ما أشد احتياجنا إلى ممارسة الاختلاف بيننا في جميع المجالات، وإقامة الحوار بعيدا عن هيمنة ثقافة الصوت الواحد، أو الرأي الأوحد، الذي لا يقبل الاختلاف حول قضايا الشعر والأدب والأفكار، ما يثري ثقافتنا وهويتنا وشخصيتنا، ونستعيد تلك الحيوية وبتشجيع الإبداع الواعد على التميز والمغايرة، ما يغني المعرفة ويفتحالأبواب أمام محاورة الآخر، خصوصاً أمام الأجيال الشابة المتعطشة لثقافة حرية التفكير والتجريب.

(اخبار سوريا الوطن2-مجلة الشارقة الثقافية فبراير_2026)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هاكابي ولاهوت «الوعد والأرض»

  أحمد الدبش   في مقابلة ضمن بودكاست الإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، قبل أيام، قال السفير الأميركي لدى إسرائيل، مايك هاكابي إنّ لإسرائيل – «من ...