د.محمد حبش
دخل العام الجديد والرئيس ترامب يغرد كل يوم أنه الرجل الذي يوقف الحروب ويبني السلام وهو أحق الناس بجائزة نوبل، وصرح انه خلال عام واحد أنهى ستة حروب وفي خطبة أحرى تسعة حروب، ولم يجد ضرورة لذكر أسماء هذه الحروب التي أوقفها، ولكن خلال أسبوع واحد أعاد ترمب إشعال العالم من جديد، وبالرغب أو الرهب، وجدت عشرون دولة نفسها في أتون حرب مدمرة لا ناقة لها فيها ولا جمل، وسقطت القذائف لأول مرة منذ خمسين عاماً على الخليج كله، وعلى العراق وأذربيجان وإيران ولبنان والأردن والعراق، أما باكستان وأفغانستان فقد أشعلا حرباً ماحقة لأسبابهم الخاصة، وهكذا دخل الشرق الأوسط في أشد أيامه الدامية منذ عقود طويلة.
الدولة السورية الجديدة نجحت في اختيار موقف صفر مشاكل مع الجيران، ونجحت حتى الآن في تجنب الحرب ومآلاتها، ولأول مرة يشعر السوريون بأن الحروب في المنطقة تتوقف عند حدودهم، وبإمكانهم أن يتصرفوا كبلد آمن في جنون الحرب الطامي.
الكارثة الآن في المسألة اللبنانية، فقد أعلن رسمياً عن انسداد الحل بين الدولة اللبنانية وبين حزب الله، الذي بات يتصرف بشكل انفعالي، ويقوم بممارسات تدمر الوطن اللبناني ولا تنفعه في شيء، وتم الإعلان عن نصف مليون نازح باتوا على الدود السورية اللبنانية يهربون من الحرب ويلتفتون وراءهم حيث تهبط الصواريخ المدمرة على قراهم وبيوتهم وأحلامهم، فيخسرون كل شيء، ويربحون خطباً كئيبة للسيد نعيم قاسم في شرح معنى النصر والتغني بأمجاد الانتصارات التي لا تتوقف.
المهم في المسألة الآن هو الضغط الأمريكي والإسرائيلي لإنهاء ملف حزب الله في لبنان، ويبدو لمهندسي الحروب الجديدة أن سوريا مرشحة للقيام بدور مهم في نزع سلاح حزب الله، فهذا مطلب الدولة اللبنانية وهو أيضاً معاناة السورين خلال سنوات الحرب، وهناك رصيد من الكراهية والأحقاد في وسائل التواصل الاجتماعي يكفي للتحشيد لعشر حروب قادمة، والفصائل جميعاً عطشى للانتقام من أولئك العابثين الذين استباحوا القصير وحمص وحلب والزبداني ووادي بردى وارتكبوا أبشع المجازر والمخازي.
وهناك أيضاً إغراء آخر وهو وجود عدد من رموز النظام البائد مختبئين في مرابع حزب الله في لبنان، وهذا سبب آخر يدفع العسكر للتقدم نحو لبنان.
وأريد ان أقول هنا إن أسوا قرار يتخذه السوريون هو الدخول في حرب كهذه، الوطن منهك، ولا يملك ترف المغامرات الطائشة، وأتمنى على الدولة السورية الحفاظ على سياسة الحياد الحربي، ووقف أي توجه لاقتحام أراضي الآخرين، فلبنان بالذات مستنقع من السلام والمكر والسياسة والحرب لا يمكن لاحد ان يتنبأ فيه بالمصائر السوداء الممكنة.
ولنتذكر أن حافظ الأسد حين دخل لبنان في 1976 لوقف الحرب الأهلية، كان مزوداً بمطلب الرئاسات الثلاث البرلمان والجمهورية والوزراء، وكان يتحرك في إطار قوات الردع العربية وسط تأييد دولي بعد مجازر الحرب الأهلية، ولكن مع ذلك كله سرعان ما تحول هذا الدخول إلى كارثة على الجميع، وانقسمت بيروت بشكل مريع، وتحول الجيش السوري إلى علقة شقاء على اللبنانيين، وباتت إنجازاته في لبنان مخزية ومخجلة واستمرت الحرب الأهلية ستة عشر عاماً آخر، وتشكل تلقائياً كيان شبحي فاسد راكم ثروات طائلة ولم يجن اللبنانيون ولا السوريون من هذا التدخل إلا جحيم الكراهية.
التدخل المطلوب اليوم هو لون من الانتحار، ومهما كان الواقع اللبناني مراً فلا ينبغي لسوريا ان تكون الشرطي المتطوع لإطفاء هذا الحريق، يجري الآن استدعاء عشرين الف مقاتل أندنوسي من أجل غزة، وربما يكون حظ لبنان من هذه الجنسيات البعيدة أرجى من كل تدخل عربي لوقف الدم وحماية الدولة والفصل بين الأعداء.
لا تدخلوا أيها السوريون إلى لبنان، وتقارير الأمن الوطني التي تجعل هذا الدخول مصلحة للأمن السوري، سرعان ما تتغير وسنعيد إنتاج الكارثتين المتتاليتين: دخول جيش الأسد إلى لبنان ودخول حزب الله إلى سوريا.
سوريا تتعرض لضغوط هائلة والرئيس أحمد الشرع يواجه أقسى الضغط الخارجي والداخلي واللبناني أيضاً للانخراط في هذه الحرب، ولكن أي قراءة محايدة ستجعلنا ندرك انه الدخول في هذه الحرب سيكون أسوأ قرار يمكن أن تتخذه إدارة سورية في هذا الزمن العصيب.
(اخبار سوريا الوطن ٢-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
