آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » قراءة هادئة في تحوّلات الشرق الأوسط (10) الشورى… حين تتحول الفريضة إلى سؤال مؤجّل

قراءة هادئة في تحوّلات الشرق الأوسط (10) الشورى… حين تتحول الفريضة إلى سؤال مؤجّل

 

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

بعد قراءة مقال الأستاذ نضال رشيد بكور،في موقع اخبار سوريا الوطن «من وحي خطبة الوداع»، عادت إلى ذهني واحدة من أكثر القضايا حساسيةً وتعقيدًا في تاريخ منطقتنا:

 

كيف تحوّلت الشورى، التي جاءت قيمةً أساسية في بناء المجتمع والدولة، إلى مفهوم تراجع حضوره أحيانًا أمام صراعات السلطة والنفوذ؟

 

ففي الشرائع السماوية الكبرى، التي شكّلت المرجعية الروحية والحضارية للمنطقة عبر قرون طويلة، لم يكن الإنسان مجرد تابع بلا رأي، ولم تكن العدالة فكرةً هامشية، بل جاءت الرسالات في جوهرها لتذكّر الإنسان بكرامته ومسؤوليته وحقه في العدل والرحمة والمحاسبة.

 

وفي الكتاب الكريم، لم تكن الشورى تفصيلًا عابرًا، بل كانت جزءًا من رؤية أوسع تربط بين الوعي والهداية وبناء الإنسان.

 

وفي سورة الشورى نفسها تأتي الآية الكريمة:

 

﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَٰكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾.

 

وكأن الرسالة، منذ بدايتها، أرادت أن تربط الإيمان بالوعي، والهداية بالمعرفة، والإنسان بقدرته المستمرة على التعلّم واكتشاف المعنى.

 

ولعل اللافت في الآية أن «الكتاب» جاء قبل «الإيمان»، في إشارة عميقة إلى أن المعرفة والبصيرة ليستا نقيضًا للإيمان، بل طريقًا لفهمه بصورة أعمق وأكثر إنسانية.

 

لكن التاريخ الإنساني، كما في كثير من الحضارات، كشف مع الزمن أن المبادئ العظيمة كثيرًا ما تدخل في صراع مع خوف السلطة من التغيير، ومع رغبة الإنسان القديمة في البقاء والسيطرة واحتكار القرار.

 

ومع تراكم القرون، لم تعد المشكلة فقط في غياب المبدأ، بل في تراجع ثقافة الحوار نفسها: الخوف من الاختلاف، وتضييق مساحة النقد، وتحول المشاركة أحيانًا من حق عام إلى امتياز محدود.

 

وربما لهذا السبب بقي سؤال الشورى حاضرًا في وجدان المنطقة، وكأنه فريضة مؤجلة تبحث عن شكلها الحقيقي في الواقع.

 

وربما كانت إحدى أكثر المفارقات تعقيدًا في تاريخ المنطقة الحديث أن بعض الأنظمة لم تُلغِ فكرة المشاركة بالكامل، بل أبقت مفرداتها حاضرة في الخطاب السياسي:

 

أحزاب، وبرلمانات، وجبهات وطنية، وانتخابات، وشعارات تتحدث باسم الشعب والوحدة والتقدم.

 

لكن الحياة السياسية نفسها بقيت أحيانًا تدور داخل إطار واحد، لا يسمح بتداول حقيقي للسلطة، ولا بظهور تنوع قادر على التأثير الفعلي في القرار.

 

وكأن بعض التجارب السياسية حاولت أن تمنح المجتمع صورة المشاركة، بينما ظل مركز القرار الحقيقي يتحرك داخل دائرة ضيقة يصعب الاقتراب منها أو تغييرها.

 

وهكذا، لم تعد المشكلة فقط في شكل المؤسسات، بل في قدرتها الحقيقية على الحياة والتأثير والتجدد.

 

لكن التجارب الإنسانية، مع الزمن، كشفت حقيقة أعمق:

 

أن استقرار الأوطان لا يتحقق حين يتوقف الزمن السياسي، ولا حين تتحول السلطة إلى حالة أبدية، بل حين تشعر الشعوب بأن الدولة أكبر من الأشخاص، وأن بقاء الوطن لا يرتبط ببقاء فرد واحد مهما كان حضوره أو شعبيته.

 

ولهذا، لم يكن سر تقدم كثير من الدول في شكل النظام وحده، ملكيًا كان أم جمهوريًا، بل في قدرتها على بناء مؤسسات تستمر وتتجدد وتسمح بالمشاركة، دون أن تخاف من الحوار أو تداول المسؤولية.

 

فبعض الملكيات نجحت حين تحولت إلى دول مؤسسات وقانون وبرلمانات، وبعض الجمهوريات تعثرت حين بقيت أسيرة الخوف من التغيير.

 

وكأن المشكلة عبر التاريخ لم تكن دائمًا في اسم النظام، بل في السؤال الأعمق:

 

هل يشعر الإنسان أن له مكانًا في صناعة مستقبل وطنه؟ أم أن دوره يقتصر على التصفيق والخوف والصمت الطويل؟

 

فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالخوف وحده، ولا بالقوة وحدها، بل بثقة الإنسان بأن صوته له قيمة، وأن المشاركة ليست تهديدًا للدولة، بل أحد أسباب قوتها واستمرارها.

 

ولعل ما تحتاجه منطقتنا اليوم ليس فقط استعادة المصطلحات، بل استعادة الروح التي جاءت بها تلك المبادئ منذ البداية: روح الحوار، والعدالة، واحترام الإنسان، والبحث عن المصلحة العامة بعيدًا عن الإقصاء والانفعال.

 

فالأمم لا تنهض حين يتحول المواطن إلى مجرد متفرج على وطنه، بل حين يشعر أن الكرامة والحرية والمسؤولية ليست شعارات تُرفع، بل علاقة حقيقية بين الإنسان والدولة والمجتمع.

 

وهنا ربما تصبح الشورى ليست مجرد فصل في التاريخ، بل سؤالًا مفتوحًا تنتظر الأجيال القادمة أن تجد له جوابًا أكثر عدلًا وإنسانية «فتنشأ أجيال تبني أملًا جديدًا انطلاقًا من دروس تاريخ قريب»

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين تصبح الذاكرة الوطنية في خطر 

بقلم: سمير حماد   أليس من المؤلم أن يرى كل طرف من المكونات السورية،التاريخ والواقع من منظاره وحده، وكأن الحقيقة لا تتسع إلا لرواية واحدة؟ ...