القاضي:حسين حمادة
في كل زمان ومكان، تظهر فئةٌ تمتلك موهبةً نادرة لا تحتاج إلى شهادةٍ علمية ولا إلى خبرةٍ عملية، بل تعتمد على حنجرةٍ قوية، وقدرةٍ فائقة على الكذب والزعبرة، ووجهٍ قادرٍ على التلوّن بسرعة الضوء، ومرونةٍ مذهلة في الانحناء عند تبدّل الاتجاهات. تلك هي مؤهلات فئة «المطبلين للسلطة».
هؤلاء لا يُتعبون أنفسهم بالحديث عن الأخطاء أو البحث عن حلول، لأنّ وظيفتهم الأساسية أسمى من ذلك بكثير: التصفيق المستمر، وتوزيع عبارات المديح، وتحويل أي قرار إلى «إنجازٍ تاريخي»، حتى لو كان انقطاع الكهرباء لثماني ساعات بدل عشر.
والمثير للسخرية أنّ الشعوب غالبًا ما تتحمّل نتائج الفشل والأزمات والضرائب والغلاء، بينما يخرج المطبلون وحدهم سالمين غانمين، وكأنهم يملكون تأمينًا سياسيًا ضد الكوارث. فكلما اشتدّت الأزمات، ازدادت فرصهم في الظهور على الشاشات والمنابر، ليشرحوا للناس أنّ المعاناة «ضرورة وطنية»، وأنّ الصبر فضيلة، وأنّ الجوع شكلٌ من أشكال المقاومة، وأنّ تأجيل الحلول جزءٌ من الخطة العبقرية التي لا يفهمها إلا أصحاب البصيرة السياسية الخارقة.
مطبلو السلطة لا يخسرون أبدًا.
فإن نجحت السلطة قالوا:
«ألم نقل لكم إنّ القيادة حكيمة؟»
وإن فشلت قالوا:
«الظروف الدولية والمؤامرات الكونية هي السبب.»
وإن تغيّرت السلطة نفسها، غيّر المطبل قاموسه بسرعةٍ مذهلة، وبدأ يشرح للناس أنّه كان «صاحب موقفٍ إصلاحي منذ البداية»، وأنّ كل ما قاله سابقًا أُسيء فهمه أو أُخرج من سياقه.
فالمطبل يؤمن بموقع الكرسي أكثر مما يؤمن بالمبادئ، ويتبع اتجاه الريح أكثر مما يتبع القناعات، لذلك فهو أكثر الناس قدرةً على النجاة في جميع الظروف؛ لأنه لا يحمل مبدأً قد يعيقه، ولا موقفًا ثابتًا قد يحرجه لاحقًا.
يبقى السؤال قائمًا:
ماذا لو قرّر المطبلون تأسيس حزبٍ سياسي خاصّ بهم؟
على الأغلب لن يحتاج هذا الحزب إلى برنامجٍ انتخابي، لأنّ برنامجه سيكون جاهزًا مسبقًا:
«نحن مع من يحكم… مهما كان، ومهما فعل، ومهما قال.»
وسيكون شعاره الرسمي:
«التصفيق أولًا… والتفكير لاحقًا.»
وقد ينجح هذا الحزب فعلًا في حصد أصواتٍ كثيرة، لأنّ بعض الناس يبحثون عمّن يطمئنهم بالكلام الجميل، حتى لو كانت السفينة تغرق والمياه تتسرّب إلى جميع الطوابق.
وعندها سيتحوّل البرلمان إلى مهرجانٍ دائم من المديح المتبادل:
المسؤول يمدح المطبل، والمطبل يمدح المسؤول، وكلٌّ منهما يصفّق للآخر، بينما يبقى الشعب وحده يدفع ثمن الحفل كاملًا.
ويصبح البرلمان مسرحٍ كبير للمطبلين، وتعمّ بينهم أجواء الفرح والدبكات والرقص والغناء، ثم تمتدّ العدوى تدريجيًا إلى مؤسسات الدولة، فتتحوّل المكاتب إلى منصاتٍ للمديح، والاجتماعات إلى حفلات تصفيق، والتقارير إلى قصائد ثناء ، وتعمّ الأفراح ساحات الوطن، وتعلو أصوات الطبول والمطبلين والتطبيل ويصبح المعيار الحقيقي للترقي قوة التصفيق وطول المديح وحجم الانحناءة أمام أصحاب النفوذ ، و يتحول التطبيل إلى ثقافةٍ عامة، يُكافأ أصحابها ويغلف الفشل بأوراق المديح اللامعة.
(اخبار سوريا الوطن-صفحة الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
