أسيمة حسن
لم يكن انقطاع الإنترنت عطلًا تقنيًا بقدر ما كان حادثًا اجتماعيًا نادرًا.
في تلك الليلة، حدث ما لم يحدث منذ زمن. خرج الأب من غرفته بعد أن فقد هاتفه اتصاله بالعالم، وصنع فنجان قهوة، وجلس في الصالون. لم يكن ينتظر أحدًا، لكنه كان ينتظر شيئًا لا يعرف اسمه.
بعد دقائق، خرج الابن الأصغر من غرفته.
نظر كلٌّ منهما إلى الآخر، كما لو أنه يراه لأول مرة.
قال الأب مازحًا:
“خير… شو اللي طلعك من غرفتك؟”
ابتسم الابن وقال:
“الواي فاي خرب.”
ضحك الأب، ثم بدأ حديثًا بسيطًا:
“كيف الدراسة؟”
نظر الابن باستغراب وقال:
“بابا… أنا تخرجت منذ أشهر، وهلأ عم دور على شغل.”
ساد صمتٌ قصير.
لم يكن الأب قد نسي ابنه… لكنه نسي تفاصيل حياته.
وما هي إلا لحظات حتى دق جرس الباب.
دخل الابن الأكبر مع زوجته وطفله. تبادلوا السلام بحرارة، ثم جلسوا جميعًا، وكأنهم ضيوف يلتقون لأول مرة.
تحدثوا…
ضحكوا…
اكتشفوا أن الطفل أصبح يحفظ القصائد، وأن الأم أصبحت تحب زراعة الورود، وأن الأب لم يعد يعمل منذ سنتين لأنه أصبح متقاعدًا… بينما كان الجميع يظنون أنه ما زال يغادر صباحًا إلى عمله.
ثم خرجت الزوجة من غرفتها.
جلس الجميع حولها، وكان الزمن قد قرر أن يعود سنوات إلى الوراء.
في تلك اللحظة فقط، شعر الجميع أن البيت عاد بيتًا.
وللمرة الأولى منذ أشهر، لم يكن أحد ينظر إلى شاشة.
…
وفجأة…
عاد الواي فاي.
لم يسمع أحد صوت الإشعار، لكن الجميع استجاب له.
قام الابن إلى غرفته.
تبعته زوجته.
اختفى الحفيد خلف جهازه اللوحي.
عاد الابن الأصغر إلى هاتفه.
وعادت الأم إلى عالمها.
أما الأب، فبقي يحمل فنجان القهوة، ينظر إلى المقاعد الفارغة التي كانت قبل دقائق مليئة بالحياة.
قال بحسرة:
“كنا ناويين ناخذ صورة جماعية…”
فرد أحدهم من خلف الباب:
“مو مشكلة يا أبي… كل واحد يتصور لحاله، والذكاء الاصطناعي بيجمعنا بصورة وحدة.”
ابتسم الأب…
لكنها كانت ابتسامة يعرف صاحبها أنها تخفي هزيمة.
ليست المشكلة أن وسائل التواصل الاجتماعي دخلت بيوتنا.
المشكلة أنها أصبحت تسكن داخلنا.
لم تعد مجرد وسيلة نتواصل بها، بل أصبحت هي التي تقرر متى نتحدث، ومتى نصمت، ومتى نفرح، ومتى نحزن، بل وحتى كيف نعيش.
أصبح الصباح يبدأ بإشعار، وينتهي بآخر.
وأصبح عدد الإعجابات أهم من عدد الزيارات، وعدد المتابعين أهم من عدد الأصدقاء، وعدد المشاهدات أهم من قيمة ما نقدمه.
صرنا نعيش اللحظة لنصورها، لا لنعيشها.
نسافر لننشر الصور.
ونأكل قبل أن نلتقط الصورة.
ونضحك أحيانًا أمام الكاميرا أكثر مما نضحك في الحقيقة.
بل وصل الأمر إلى أن بعض الأزواج يكتبون كلمات الحب لبعضهم على صفحاتهم العامة، بينما لا يتبادلون حديثًا حقيقيًا على مائدة الطعام.
وأصبح بعض الأبناء يعرفون تفاصيل حياة مؤثر يعيش في قارة أخرى، أكثر مما يعرفون عن حياة آبائهم الذين يعيشون معهم تحت السقف نفسه.
لكن…
هل وسائل التواصل الاجتماعي هي المذنبة فعلًا؟
أم أننا وجدنا فيها شماعة نعلق عليها أخطاءنا؟
فالسوشال ميديا لم تقتحم بيوتنا بالقوة.
نحن من فتحنا لها الأبواب.
لم تُجبرنا على إهمال أبنائنا، ولا على تجاهل والدينا، ولا على أن نستبدل الحديث بالرسائل، ولا اللقاء الحقيقي بالمكالمة، ولا الذكريات بصورة معدلة بالمرشحات.
هي مجرد أداة.
كالسكين…
يمكن أن تقطع بها خبزًا، ويمكن أن تؤذي بها إنسانًا.
وكالنار…
تمنحك الدفء، وقد تحرق بيتك إن أسأت استخدامها.
لقد قرّبت البعيد، لكنها أبعدت القريب.
سهّلت الوصول إلى المعرفة، لكنها جعلت الوصول إلى من يجلس بجانبنا أكثر صعوبة.
فتحت لنا نوافذ على العالم، لكنها أغلقت أبوابًا كثيرة داخل منازلنا.
ربما لا نحتاج إلى أن نغلق حساباتنا.
ولا أن نرمي هواتفنا.
بل نحتاج إلى أن نستعيد حقًا بسيطًا كدنا نفقده…
أن نجلس معًا دون أن يكون الهاتف ضيفًا خامسًا بيننا.
أن نسأل أبناءنا عن أحلامهم قبل أن يخبرونا بها في منشور.
أن نسمع ضحكة من نحب، لا تسجيلًا صوتيًا لها.
وأن نتذكر أن الإنسان خُلق ليصافح الوجوه… لا الشاشات.
فالسؤال الحقيقي ليس:
هل أفسدت وسائل التواصل الاجتماعي حياتنا؟
بل هو:
متى سمحنا لها أن تصبح هي التي تُدير حياتنا؟
فإذا كان انقطاع الإنترنت لساعات قد أعاد العائلة إلى بعضها، فربما لا نحتاج إلى انقطاع الشبكة…بل إلى ان نعيد
وصل ما انقطع بين القلوب
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

