آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » الاستكفائيون: حين يصبح الاكتفاء شكلاً من أشكال الحرية

الاستكفائيون: حين يصبح الاكتفاء شكلاً من أشكال الحرية

د. سلمان ريا

 

 

 

ظهر في الفضاء الرقمي مؤخراً اسم جديد: Glimers — глимеры، ويمكن أن نطلق عليهم بالعربية الاستكفائيين. ليسوا جيلاً بالمعنى الديموغرافي؛ فلا تجمعهم سنة ولادة ولا فئة عمرية محددة. قد يكون الاستكفائي شاباً، وقد يكون شخصاً في منتصف العمر أو أكبر. ما يجمعهم ليس العمر، بل اختيار طريقة مختلفة في الحياة.

يصف المصطلح أشخاصاً بدأوا ينسحبون، بدرجات مختلفة، من سباق الاستهلاك والمكانة والعمل المفرط: يتركون وظائف تستنزف حياتهم، ويقللون مقتنياتهم، ويرفضون الديون الاستهلاكية، وقد يختار بعضهم الريف أو حياة أبسط وأكثر استقلالاً. لكن جوهر الظاهرة ليس العودة إلى الماضي، وإنما إعادة تعريف النجاح.

اعتاد الاقتصاد الحديث أن يقيس النجاح بما يملكه الإنسان: دخل أعلى، بيت أكبر، سيارة أحدث، قدرة أكبر على الاستهلاك. وهكذا تنشأ دائرة تبدو طبيعية:

اعمل أكثر → اكسب أكثر → استهلك أكثر → التزم أكثر → اعمل أكثر.

لكن الاستكفائي ينسحب من هذه الدائرة بسؤال بسيط: ماذا لو لم أحتج إلى كل هذا أصلاً؟

وهنا يصبح «لا أريد» فعلاً اقتصادياً.

فالرأسمالية لا تعتمد على الإنتاج وحده؛ إنها تحتاج أيضاً إلى استمرار الطلب. والحاجة الإنسانية محدودة، بينما الرغبة قابلة للتوسع بلا نهاية. الإنسان يحتاج إلى الطعام، والمأوى، والملبس، لكنه يستطيع أن يحول هذه الحاجات إلى سباق دائم من أجل المزيد والأفضل والأحدث.

لقد انتقل الإنسان، مع تطور الوعي، من الغريزة إلى الشهوة؛ من الحاجة التي لها حد، إلى الرغبة التي تستطيع أن تصنع لنفسها حاجات جديدة.

وهنا يظهر السؤال الحضاري الأهم:

هل يمكن للوعي الذي حرر الإنسان من الحدود الغريزية أن يتعلم أيضاً أن يضع حداً للشهوة التي صنعها هذا الوعي نفسه؟

الاستكفائية (Glimers — глимеры) لا تعني الفقر، ولا الحرمان، ولا رفض التكنولوجيا. إنها تعني، في جوهرها، محاولة التمييز بين ما يحتاجه الإنسان فعلاً وما أقنعه السوق بأنه يحتاج إليه.

وهذا يعيدنا إلى سؤال الملكية. أن أملك ما يكفيني شيء، وأن أمتلك من الموارد ما يجعلني قادراً على التحكم في شروط حياة الآخرين شيء آخر. الملكية يمكن أن تكون امتداداً للحرية؛ أما التملك بلا حدود فقد يتحول إلى سلطة.

ولذلك قد لا يكون السؤال الحقيقي: من هم الاستكفائيون؟

بل: لماذا يظهرون الآن؟

ربما لأن الإنسان المعاصر بلغ مرحلة يستطيع فيها أن ينتج ويستهلك أكثر بكثير مما يحتاجه، ثم بدأ يكتشف أن وفرة الأشياء لا تعني بالضرورة وفرة الحياة.

وربما تكون الخطوة التالية في تطور الإنسان ليست امتلاك المزيد، وإنما اكتشاف حدّ الكفاية.

فالإنسان الذي يحتاج إلى أقل، قد يصبح أقل ارتهاناً للعمل الذي يكرهه، والدين الذي يثقله، والمنافسة التي تستنزفه، والموارد التي يصارع الآخرين من أجلها.

وهنا نصل إلى السؤال الذي يتجاوز الاقتصاد كله:

هل نحن أمام جيل جديد، أم أمام أول ملامح إنسان بدأ يكتشف أن الحرية قد تكون في حاجته إلى موارد وأشياء مادية أقل كي يعيش حياة مكتفية وذات معنى؟

لقد ظل الإنسان آلاف السنين يسأل:

ماذا أستطيع أن أمتلك؟

وربما بدأ الآن يطرح السؤال الأكثر بساطة، والأكثر خطورة على اقتصاد الرغبة:

ماذا أحتاج فعلاً؟

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

هذا ما يجري في أميركا اللاتينية

      كتب وائل فايز أبو الحسن       ما يجري في أمريكا اللاتينية اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تناوب انتخابي بين ...