آخر الأخبار
الرئيسية » صحة و نصائح وفوائد » الإيدز في سوريا: 212 حالةً جديدة و1538 مسجّلةً… ماذا تعني الأرقام فعلاً؟

الإيدز في سوريا: 212 حالةً جديدة و1538 مسجّلةً… ماذا تعني الأرقام فعلاً؟

مروة البرغش

 

 

بين عودة سوريين كانوا يتلقون العلاج في الخارج، وتحسن آليات الرصد والإبلاغ، واستمرار الوصمة الاجتماعية، تفتح أرقام فيروس نقص المناعة البشري في سوريا أسئلةً تتجاوز عدد الحالات المسجلة: هل نحن أمام زيادة فعلية في الإصابات، أم أمام تحسن في الوصول إلى من كانوا خارج دائرة الكشف؟

 

 

 

 

أعاد تسجيل 212 حالةً جديدةً بفيروس نقص المناعة البشري (HIV) خلال عام 2025 الملف إلى الواجهة، خصوصاً مع تداول رقم آخر هو 1538 شخصاً مصاباً منذ عام 1990. وبوضع الرقمين جنباً إلى جنب، يمكن أن نتوصل إلى قراءة خاطئة. ولكن، في الواقع، لهما شرح علمي.

 

 

تبدأ القصة الحقيقية من هذا السؤال: ماذا تخبرنا الحالات التي ظهرت في السجلات؟ وما الذي لا تخبرنا به؟

 

 

 

أكثر من 200 حالة جديدة… لكن لماذا ارتفعت الأرقام؟

يقول مسؤول برنامج نقص المناعة في وزارة الصحة السورية الدكتور عمر أبو النعاج إن الجهات الصحية كانت تتوقع ارتفاع الأعداد بعد عودة أعداد من السوريين إلى البلاد، موضحاً أن عدداً من العائدين كانوا يعرفون بإصابتهم مسبقاً ويتلقون العلاج خارج سوريا، وعند عودتهم راجعوا وزارة الصحة للحصول على الأدوية والخدمات الطبية.

 

 

 

وبحسب المسؤول، فإن الارتفاع لا يرتبط بوجود حالات جديدة فحسب، بل أيضاً بتحسن آليات الرصد وبناء الثقة مع المواطنين. فالمصاب بات أكثر استعداداً للإبلاغ عن حالته طوعاً بعدما تأكد من توافر الخدمات الصحية وضمان السرية والخصوصية.

 

 

 

ويؤكد أبو النعاج أن الرقم المتداول، أي 1538 إصابةً منذ عام 1990، هو رقم تراكمي للمرضى الأحياء، وليس عدد الحالات المكتشفة في سنة واحدة.

 

وهذا التفريق أساسي عند قراءة الأرقام؛ فـ”الحالة المسجلة” ليست بالضرورة مرادفاً لـ”عدوى حدثت في السنة نفسها”. وهذا الأمر ينطبق على الرقم 212، الذي يشير إلى الحالات التي سُجلت خلال عام 2025، ولا يعني بالضرورة أن جميع أصحابها التقطوا الفيروس خلال العام نفسه. وقد يكون أيضاً الشخص قد التقط الفيروس قبل سنوات، ثم شُخّص أو عاد إلى النظام الصحي في فترة لاحقة.

 

 

 

وتنسجم هذه النقطة مع بيانات منظمة الصحة العالمية، التي وصفت معدل الإبلاغ عن (HIV) في سوريا بأنه مخفوض، مع تسجيل 470 شخصاً كانوا يتلقون العلاج المضاد للفيروسات القهقرية في عام 2024، ووصول خدمات الاختبار الطوعي إلى 8820 شخصاً، مع بقاء معدل الإبلاغ الوطني أقل من حالة واحدة لكل 100 ألف شخصٍ خلال السنوات الخمس السابقة التي غطتها بيانات المنظمة.

 

 

 

ولا يعني انخفاض معدل الإبلاغ بالضرورة أن عدد الإصابات الفعلية يساوي الرقم المسجل، إذ إن الوصول إلى التشخيص يمثل جزءاً أساسياً من الصورة. فاختبار HIV هو الوسيلة التي تسمح بمعرفة حالة الشخص، وقد يظل الفيروس لدى بعض الأشخاص من دون تشخيص لفترة من الزمن.

 

 

 

الوصمة والتمييز

تعتمد آليات الرصد بشكل رئيسي على عيادات ما قبل الزواج، وبنوك الدم، والمسوح التي تجريها الوزارة لبعض الفئات الأكثر عرضة للإصابة. وتتوافر الاختبارات السريعة للكشف عن الفيروس في جميع المحافظات، ولا تحتاج إلى أجهزة معقدة، في وقت تعمل فيه الوزارة على زيادة التوعية من خلال اجتماعات مع خطباء المساجد والإعلاميين.

 

 

 

ويشير أبو النعاج إلى أن الوزارة لا تفرض تعليمات تمنع الكوادر من نشر الأرقام أو تعوق عمل الصحافيين، مشدداً على أن التعامل مع الحالات يتم بمهنية، مع الحفاظ على السرية التامة للمراجعين.

 

 

 

أما التحدي الأكبر، فيبقى الوصمة والتمييز المرتبطين بالفيروس، وهما عاملان قد يؤثران في استعداد الأشخاص لإجراء الاختبار أو طلب العلاج والمتابعة.

 

 

 

وتتركز استراتيجية الوزارة الحالية على تحسين آليات الرصد، وبناء الثقة مع المواطنين، وتأهيل الكوادر الفنية عبر دورات تنشيطية مستمرة، إلى جانب نشر الوعي والتثقيف المجتمعي.

 

 

تُوزع الأدوية مجاناً على المرضى، وقد أصدر وزير الصحة تعميماً للمشافي العامة ومديريات الصحة يقضي بتقديم الخدمات الطبية والعلاجية لمرضى الفيروس مجاناً.

 

 

 

كذلك تجري الوزارة فحوص المتابعة والتقييم بصورة دورية، ومنها الحمل الفيروسي (Viral Load) وعدد خلايا CD4، لمراقبة استجابة المرضى للعلاج.

 

 

 

وهنا يكمن أحد أهم التحولات في فهم الفيروس: الإصابة بـHIV لا تعني تلقائياً الوصول إلى مرحلة الإيدز.

 

 

 

فـHIV هو الفيروس، بينما ،AIDSأو متلازمة نقص المناعة المكتسبة، هي المرحلة المتقدمة من العدوى. ويمكن العلاج المضاد للفيروسات القهقرية أن يوقف تكاثر الفيروس ويخفض مستواه في الجسم بدرجة كبيرة.

 

 

 

وبفضل العلاج والمتابعة، أصبح HIV بالنسبة إلى كثير من المصابين حالة صحية مزمنة يمكن التحكم بها، وليس حكماً تلقائياً بتدهور سريع أو وفاة.

 

 

 

الدكتورة بعاج: ليس كل ما يحيط بالمريض ينقل العدوى

تشرح الأستاذة الدكتورة رماح بعاج، الأستاذة في كلية الطب البشري في الجامعة السورية الخاصة ،(SPU)أن الفيروس ينتقل عبر سوائل جسم محددة، في مقدمها الدم، والسائل المنوي، والإفرازات الجنسية، وحليب الثدي، إضافة إلى انتقاله من الأم إلى طفلها أثناء الحمل أو الولادة أو الرضاعة.

 

 

 

وتشير إلى أن انتقال العدوى يمكن أن يحدث عبر الدم الملوث، مثل مشاركة الإبر والمحاقن، كما أن العلاقات الجنسية غير المحمية تمثل أحد أهم طرق الانتقال، مع ارتفاع خطر الإصابة في بعض الممارسات التي قد تسبب جروحاً أو تمزقات في الأغشية المخاطية.

 

 

 

وتؤكد في المقابل أن الطعام والشراب والعناق والمصافحة لا تنقل الفيروس مطلقاً. وهي النقطة التي تؤكدها منظمة الصحة العالمية بوضوح: لا ينتقل الفيروس عبر المصافحة أو العناق أو مشاركة الطعام والماء أو المخالطة اليومية العادية.

 

 

 

كما لا ينتقل الفيروس عبر الهواء أو السعال أو العطاس، ولا عبر مشاركة المرافق والأدوات المنزلية في الحياة اليومية.

 

 

 

 

 

هل يستطيع المصاب أن يعيش حياة طبيعية؟

تجيب أن مريض HIV يستطيع أن يعيش لأوقات طويلة، بل حياة طبيعية تماماً، إذا كان تحت إشراف طبي ويلتزم العلاج، مشيرة إلى أن الأدوية المضادة للفيروسات تساعد على كبح تكاثر الفيروس ودعم عمل الجهاز المناعي.

 

 

 

أما علمياً، فالعلاج الحديث لا يقوم على “عزل” الشخص المصاب عن الناس، بل على العلاج والمتابعة والوقاية.

 

 

 

والأهم أن العلاج الفعال يمكن أن يخفض الحمل الفيروسي إلى مستوى غير قابل للكشف. وعندما يحافظ الشخص على حمل فيروسي غير قابل للكشف مع التزام العلاج، فإنه لا ينقل الفيروس جنسياً، وهي القاعدة المعروفة عالمياً باسم (U=U) غير قابل للكشف = غير قابل للانتقال.

 

 

 

وفي ما خص النظام الغذائي، تنصح بعاج المصابين بالتركيز على الغذاء المتوازن المتنوع وتجنب الأطعمة النيئة أو غير المطهوة جيداً، خشية احتوائها على جراثيم قد تشكل خطراً على شخص يعاني من ضعف المناعة، وهي نصيحة ترتبط بالسلامة الغذائية العامة، وليس لأن الطعام ينقل الفيروس في ذاته.

 

 

 

“المرض يتعب الجسد لكن نظرة المجتمع تتعب الروح”

من الجانب النفسي، ترى الدكتورة زينا الصوفي، الاختصاصية النفسية، أن مواجهة الوصمة تبدأ بـ”الوعي ثم الوعي ثم الوعي”. وتدعو المصاب إلى العودة إلى ذاته واستشعار قيمته، وعدم ربط قيمته الشخصية بنظرة الآخرين إليه، مع الحفاظ على خصوصيته ووجود أشخاص داعمين حوله.

 

 

 

وتنصح المصاب بألا يعزل نفسه، وأن يحافظ على نشاطاته وحياته العملية وهواياته، وألا يسمح للمرض بأن يلغي رسالته أو مستقبله.

 

 

 

وتختصر موقفها بالقول: “وصمة العار لا تختفي عندما يختبئ المريض، بل عندما يدرك أنه قيمة في ذاته”.

 

 

 

 

وتشدد على ضرورة تثقيف المجتمع بآليات الانتقال الحقيقية، موضحة أن واجب المجتمع هو الاحتواء لا الإدانة، لأن الإدانة تزيد شعور المصاب بالعار.

 

 

وتختم قائلة: “المرض بيتعب الجسد، بس نظرة المجتمع بتتعب الروح”، والمطلوب ليس الشفقة، بل الاحترام والدعم، لأن كل إنسان يستحق أن يعيش بحب وكرامة ومن دون وصمة.

 

 

“الدراما السورية أخافت من المرض أكثر مما شرحت”

 

القصة لا تتعلق بالطب والأرقام فقط. فصورة HIV في الوعي العام تشكلت أيضاً عبر الإعلام والدراما، ويقول الصحافي والناقد الفني جوان ملا في حديث خاص الى “النهار” إن الدراما السورية تناولت مرض الإيدز بطريقة اتسمت بالترهيب العام، خصوصاً في أعمال عُرضت بين عامي 2004 و2005 و2006 مثل “أبناء القهر” و”حاجز الصمت” و”وصمة عار” و”الواهمون” و”الخط الأحمر”، وأخيراً، قبل 4 سنوات، مسلسل “كسر عضم”.

 

 

 

ويرى أن ذلك كان مفهوماً في سياقه الزمني، باعتبار أن المرض كان يُنظر إليه آنذاك باعتباره خطيراً ولا علاج فعالاً له، لكن المشكلة كانت في بعض الطرق التي صُدّرت بها صورة انتقال المرض إلى الجمهور.

 

 

ويشير إلى أن HIV لا ينتقل بسهولة عبر الأدوات أو المخالطة اليومية، مثل انتقاله عن طريق فرشاة الأسنان كما حدث مع شخصية سليمان رزق في مسلسل “الخط الأحمر”.

 

 

 

فطريقة انتقال HIV ترتبط بالتعرض لسوائل جسم محددة وبشروط معينة، كتعاطي المخدرات باستخدام الإبر ذاتها، أو العلاقات الجنسية غير المحمية، أو نقل الدم من شخص لآخر، كما أن منظمة الصحة العالمية لا تصف المصافحة أو العناق أو مشاركة الطعام أو المخالطة اليومية بأنها طرق فعالة لانتقال الفيروس.

 

 

 

ويعتبر أن الدراما السورية في تلك المرحلة قدمت الموضوع بصورة مبالغ فيها بما يتناسب، برأيه، مع صورة خطورة المرض آنذاك، لكنه يرى أن الحملات التوعوية الحالية عبر الدراما يجب ألا تعتمد على التهويل، بل على الدقة الطبية.

 

 

ويتوقف عند مسلسل “كسر عضم” للمخرجة رشا شربتجي، معتبراً أن طريقة تقديم HIV في العمل تثير لديه ملاحظة تتعلق بصورة المريض.

 

 

 

ويرى أن الشخص المصاب بـHIV أصبح، في واقع الطب الحديث، أقرب في نمط التعايش مع المرض إلى المصابين بأمراض مزمنة أخرى، مثل السرطان والسكري وارتفاع ضغط الدم، من حيث الحاجة إلى العلاج والمتابعة وعدم اختزال الإنسان بمرضه، ولم يعد هذا المرض بمثابة وصمة أو خطر كما في السابق.

 

 

 

وبحسب ملا، فإن الطرح الذي ظهر في “كسر عضم” كان يمكن أن يكون أكثر قابلية للتلقي لو قُدم في عام 2005. أما اليوم، فيرى أن تناول HIV يحتاج إلى لغة مختلفة تتناسب مع التطور الطبي والعلمي في علاج المرض.

 

 

 

ويضيف أن الدراما الحالية لم تتناول الموضوع بما يكفي، وأن محاولات التوعية عندما تحدث تكون أحياناً مبالغاً فيها، داعياً إلى أن تكون الرسائل الدرامية دقيقة جداً من الناحية الطبية، من دون مبالغة أو تهويل زائد، حرصاً على صحة المصابين النفسية، خصوصاً مع غياب التوعية الجنسية على أرض الواقع في سوريا وعدم وجود منظمات أو جمعيات مدنية تُنتج حملات توعوية للأمراض الجنسية وطرق انتقالها.

 

 

 

وهنا تجدر الإشارة إلى أن المعلومة الطبية المتداولة شعبياً حول بقاء الفيروس حياً خارج الجسم تحتاج إلى تصحيح علمي دقيق، إذ تؤكد منظمة الصحة العالمية والهيئات الطبية أن فيروس نقص المناعة البشري (HIV) لا ينتقل عبر المخالطة اليومية العادية، ولا يمكنه التكاثر خارج جسم الإنسان، مما يجعل انتقاله عبر الأسطح أو المخالطة اليومية أمراً غير وارد في الظروف العادية.

 

 

 

الأرقام لا تكفي وحدها

 

في النهاية، لا تقول أرقام HIV في سوريا وحدها إن الإصابات ارتفعت، كما لا يمكن اعتبارها صورة مكتملة عن حجم الفيروس في المجتمع. فبين الحالات الجديدة، والمرضى العائدين إلى البلاد، وتحسن الوصول إلى التشخيص والعلاج، تبقى الأرقام بحاجة إلى قراءة أوسع من مجرد جمعها ومقارنتها.

 

 

 

لكن ما تؤكده المعطيات الطبية هو أن HIV لم يعد حكماً بالموت، ولا سبباً لعزل المصاب عن محيطه، ولا عدوى تنتقل بالمصافحة أو العناق أو مشاركة الطعام.

 

 

 

وبينما تعمل الجهات الصحية على توسيع الرصد والوصول إلى الحالات، يبقى كسر الوصمة جزءاً أساسياً من مواجهة الفيروس، لأن الوصول إلى التشخيص والعلاج يبدأ أولاً ببيئة يشعر فيها المصاب بالأمان، ويحصل فيها على حقه في العلاج والخصوصية والكرامة.

 

 

 

فالمعركة مع HIV لا تُحسم بالأرقام وحدها، بل بقدرة المجتمع على استبدال الخوف بالمعرفة، والوصمة بالوعي، والصمت بثقة تسمح لمن يحتاج إلى العلاج بأن يصل إليه.

 

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-وكالات-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أنشطة توعوية وميدانية وحملة للتبرع بالدم في منطقة طرطوس بمناسبة اليوم العالمي لسلامة المرضى

طرطوس:اخبار سوريا الوطن بمناسبة اليوم العالمي لسلامة المرضى، نفذت منطقة طرطوس الصحية ومراكزها الصحية على مدى أسبوعين سلسلة من الأنشطة التوعوية والتثقيفية والميدانية، بهدف تعزيز ...