إعداد: المحامية أذينة دغرور
لم تعد الرسائل المتبادلة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي مجرد وسيلة للتواصل اليومي، بل باتت حاضرة في كثير من النزاعات القانونية، لما قد تتضمنه من إقرارات أو تعهدات أو تهديدات أو عبارات يمكن الاستناد إليها في إثبات الوقائع والمطالبة بالحقوق.
فكلمة تُكتب في لحظة انفعال، أو رسالة تُرسل على عجل، قد تصبح لاحقًا موضع خلاف أمام القضاء، وتثير تساؤلات تتعلق بحجيتها القانونية، ومدى صلاحية الاستناد إليها في الإثبات، وشروط قبولها وتقديرها.
ومن هنا، يبرز السؤال: هل تُعدّ رسائل واتساب دليلًا أمام القضاء السوري؟ وما الضوابط القانونية التي تحكم التعامل معها؟
أولًا: هل تتمتع رسائل واتساب بحجية قانونية؟
تتوقف القيمة القانونية للمراسلات الإلكترونية على طبيعة النزاع، ومضمون الرسالة، ومدى ثبوت صدورها عن الشخص المنسوبة إليه، فضلًا عن القواعد القانونية الناظمة للإثبات في الواقعة المعروضة أمام القضاء.
فقد تتضمن المحادثة إقرارًا بدين، أو تأكيدًا لاتفاق، أو اعترافًا بواقعة معينة، وقد تشكل الرسائل في حالات أخرى قرائن يستعين بها أحد أطراف النزاع لدعم ادعاءاته.
لكن وجود الرسالة على الهاتف لا يعني، بمجرده، أنها دليل حاسم، كما أن تقديم صورة عنها لا يحسم بالضرورة مسألة صحتها أو حجيتها؛ إذ قد يثور النزاع بشأن هوية المرسل، أو سلامة المحادثة، أو اكتمالها، أو احتمال اجتزائها من سياقها الأصلي.
لذلك، فإن تقدير القيمة الإثباتية للرسائل الإلكترونية يقتضي النظر في مضمونها وظروفها ومدى إمكان التحقق من صحتها، وفقًا للأحكام القانونية واجبة التطبيق.
ثانيًا: الإقرار بالدين والتهديد والإساءة عبر واتساب
تتعدد الحالات التي يمكن أن تكتسب فيها المراسلات الإلكترونية أهمية قانونية، ومن أبرزها:
1. الإقرار بالديون والحقوق المالية
قد تتضمن المحادثة عبارات يقر فيها أحد الأشخاص بمبلغ مالي مترتب في ذمته، أو يؤكد التزامًا سابقًا، أو يتعهد بالسداد في موعد محدد.
وفي مثل هذه الحالات، قد يُستند إلى الرسائل ضمن الأدلة المقدمة لإثبات الحق، إلا أن تحديد أثرها القانوني يتوقف على مضمونها وظروفها، ومدى استيفائها للشروط التي يفرضها القانون على وسائل الإثبات في النزاع المعني.
2. التهديد والإساءة
قد تتضمن الرسائل عبارات تنطوي على تهديد أو إساءة أو أفعال أخرى قد تستوجب المساءلة القانونية، بحسب طبيعتها وظروف صدورها.
وفي هذه الحالات، يمكن تقديم المراسلات إلى الجهات المختصة لتقييمها في ضوء أحكام القانون المنطبق، مع مراعاة ضرورة التحقق من صحتها ونسبتها إلى الشخص المعني، وما قد يتوافر من أدلة أخرى تؤيد مضمونها.
ثالثًا: هل يؤدي حذف الرسالة إلى ضياع الدليل؟
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن حذف الرسالة من الهاتف يؤدي حتمًا إلى اختفاء كل أثر لها.
فقد تظل المحادثة محفوظة لدى الطرف الآخر، أو تكون هناك صور للشاشة أو نسخ احتياطية أو بيانات أخرى يمكن أن تساعد في التحقق من الواقعة، بحسب طبيعة الجهاز وإعداداته والظروف التقنية المحيطة بها.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين بقاء الرسالة من الناحية التقنية وبين ثبوت حجيتها القانونية؛ فلقطة الشاشة، على سبيل المثال، قد تكون مفيدة في توثيق المحادثة، لكنها قد تخضع للمناقشة إذا نازع أحد الأطراف في صحتها أو اكتمالها أو نسبتها إليه.
وعند ارتباط المراسلات بنزاع قائم أو محتمل، يُنصح بالمحافظة على المحادثة الأصلية وبياناتها المتاحة، وتجنب تعديلها أو اجتزاء أجزاء منها، والاستعانة بمحامٍ لتحديد الوسيلة الأنسب لحفظها وتقديمها وفق الأصول القانونية.
رابعًا: خصوصية المراسلات وحدود استخدامها
إن امتلاك نسخة من محادثة لا يعني بالضرورة امتلاك الحق في نشرها أو تداولها على نطاق واسع.
فالمراسلات الخاصة ترتبط بحقوق الخصوصية، وقد يثير الحصول عليها أو نشرها أو إفشاؤها دون مسوّغ قانوني مسائل تتعلق بالمسؤولية القانونية، تبعًا لطبيعة المحتوى، وظروف الحصول عليه، وطريقة استخدامه، والأحكام القانونية واجبة التطبيق.
ومن الضروري هنا التمييز بين تقديم المراسلات إلى جهة قضائية أو مختصة بقصد حماية حق أو إثبات واقعة، وبين نشرها على منصات التواصل الاجتماعي بقصد التشهير أو الإساءة أو الضغط على الطرف الآخر.
فلكل حالة ظروفها وتكييفها القانوني، ولا يجوز افتراض مشروعية النشر لمجرد أن المحادثة تتضمن معلومات صحيحة أو أن ناشرها طرف فيها.
خامسًا: كيف تحافظ على حقك عند وجود دليل إلكتروني؟
عند نشوء خلاف قد تكون الرسائل الإلكترونية ذات صلة به، يُنصح باتباع مجموعة من الإجراءات الاحترازية:
الحفاظ على المحادثة الأصلية: وعدم الاكتفاء بلقطة شاشة مجتزأة إذا أمكن الاحتفاظ بالمراسلات كاملة.
توثيق البيانات المتاحة: بما يساعد على تحديد تاريخ المحادثة وأطرافها وتسلسل الرسائل.
تجنب التعديل أو الاجتزاء المضلل: لأن تغيير سياق الرسالة قد يؤثر في فهم مضمونها وتقييمها.
عدم نشر المراسلات على الملأ: قبل التحقق من مشروعية استخدامها، ولا سيما إذا كانت تتضمن معلومات خاصة أو بيانات شخصية.
استشارة محامٍ: لتحديد القيمة القانونية للمراسلات، والوسائل المناسبة لتقديمها، والإجراءات اللازمة للتحقق من صحتها عند الاقتضاء.
وتبقى هذه الإجراءات احترازية عامة، على أن يُحدَّد الإجراء القانوني المناسب وفقًا لطبيعة النزاع والوقائع الخاصة بكل حالة.
كلمة أخيرة: فكّر قبل أن ترسل
في زمن أصبحت فيه الرسائل الرقمية جزءًا من المعاملات الشخصية والمالية والمهنية، لم يعد التعامل مع الكلمات المكتوبة أمرًا يخلو من التبعات القانونية.
فالرسالة التي يراها صاحبها عابرة قد تصبح، في ظروف معينة، عنصرًا مهمًا في نزاع قضائي؛ لكن قيمتها لا تُستمد من وجودها وحده، بل من صحتها وسياقها ومدى انطباق القواعد القانونية عليها.
إن الوعي القانوني لا يبدأ عند الوقوف أمام القضاء، بل يبدأ من لحظة الكتابة، ومن إدراك أن ما نرسله عبر الهاتف قد تكون له آثار تتجاوز اللحظة التي كُتب فيها
(أخبار سوريا الوطن-الكاتبة)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
