مالك صقور
سؤال يطرح نفسه . حقاً ، أين مثقفو الولايات المتحدة الأمريكية ؟ وماهو دورهم سابقاً ولاحقاً تجاه سياسة بلادهم العدوانية منذ القرن الثامن عشر وحتى هذه الدقيقة ؟!
قبل الجواب ياجوهر ، علينا أن نعرف تاريخ تأسيس هذه ( الأمريكا ) ، وعلينا أن لا ننسى أن الولايات المتحده هذه ، هي الوريث الشرعي أو غير الشرعي للإمبراطوريات و الإمبرياليات الإستعمارية مثل : بريطانيا العظمى وفرنسا التي لا تغيب عن أراضيهما الشمس و أسبانيا والبرتغال وهولندا وإيطاليا .. وعندما تمزقت الدول الأوروبية في حربين عالميتين وأُنهكت ، قامت أمريكا وفرضت سيطرتها العسكرية والسياسية والإقتصادية على أوروبا عبر ولاء الحكومات المنهكة والمهزومة . ويجب ألا ننسى أن دهاء الامريكان في الحربين العالميتين ، فهي لا تُشارك في الحرب ، وتبقى تتفرج حتى تعرف من المنتصر ومن الأقوى ، ولا ترسل جيوشها إلاّ بعد أن يصبح المتحاربون في الرمق الأخير . فتأتي تجني الغنائم . لقد حفظت أمريكا دروس الأمبراطوريات الإستعمارية السابقة التي كان شعارها : (( فرّق تسُد )) . فأضافت أمريكا لفنون السيطرة فناً آخر برّاق وجذّاب : هو (( الديمقراطية )) و (( حقوق الإنسان )) و (( الحرية )) . وأخيراً ، صرعة ((العولمة )) .
لقد أدركت الإدارات المتعاقبة على إدارة البيت الأبيض ، بأن التحكم بالعالم لا يكفيه فقط امتلاك القوة العسكرية الضاربة والهيمنة على اقنصاده وحكاّمه وحسب ، بل هو بحاجة لوسائل أخرى تصل إلى إخضاع الجميع حتى تنتهي عملية الإستلاب على وجهها الأكمل ، أي إخضاع النفوس قبل إخضاع الرؤوس ، وذلك عن طريق محو ذاكرة الشعوب وإبادتها . ولهذا امتلكت : الهيمنة العنكبوتية ..
وهذا يعني ، بموافقة أوروبا شكلّت أمريكا شبكة النسيج العنكبوتي المهيمن وأمسكت بقوة بكل خيوطه والذي هو :
– النظام النقد الدولي : صندوق النقد الدولي و البنك الدولي 1944
– منظمة الأمم المتحدة 1945
– الغات : أي ، الإتفاقية العامة للتعريفات الجمركية والتجارة 1947
– منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية 1948
– الحلف الأطلسي : الناتو .
والجميع تحت سيطرة الولايات المتحدة الإمريكية . كل ذلك مكّن الولايات المتحدة من الهيمنة على مقدرات العالم ، وقد أضاف إلى غرورها وتبجحها وغطرستها انتصارها في الحرب الباردة ، وتفكيك الإتحاد السوفييتي . وإعلانها النظام العالمي الجديد .
يخطئ من يظن أن قرار رؤوساء الولايات المتحدة من (رأسهم) أو أن الرئيس هو الذي يقرربمفرده ، هناك مؤسسات رئاسية بما فيها الكونغرس ومجلس الشيوخ ، بالإضافة إلى ما يُسمى حكومة الظل ، او الدولة العميقة . ولكن هؤلاء ورثوا عقيدة راسخة هي عقيدة التفوق والفوقية وقد استمدت منذ تأسيس أمريكا : فثمة من يعتبر أن وجود أمريكا هو وجود بناءً على خطة إلهية لذلك اعتبرت نفسها هي مكان ( الفردوس المفقود ) الذي طالما تحدث عنه الأدب الأوروبي . أمريكا هي المكان الذي يمارس الناس فيه نقاوتهم حيث يعيدون أمجاد العصر الذهبي . أمريكا هذه هي إذن القدس الجديدة – الكون الموجود خارج التاريخ نتيجة تضافر إرادتين : الإرادة السماوية وإرادة الشعب الذي أختارته السماء لتنفيذهذه الإرادة . وسوف يوضح جورج واشنطن هذه الفكرة ، يقول : ” لا يوجد شعب في العالم أكثر من شعب الولايات المتحدة مطالب أن يشكر الله ويعبد اليد الخفية التي سيرت قضايا الناس . فكل خطوة سمحت له بالسير على طريق الآستقلال كانت تحمل علامة التدخل السماوي ” . يقول المؤرخ الأمريكي دانيال بورستين : ” لم يكن هناك شعب في التاريخ واثق من أنه على الصراط المستقيم مثل الشعب الأمريكي ” .
لقد كان حكام الولايات المتحدة على يقين تام بالمبدأ الكلفاني الذي يقول ” إن سمح الله أن يجتمع في الأرض الأمريكية شعب من رجال ونساء اختيروا من قبل الله ، ذلك لأنه مناط بهذا الشعب مهمة حكم العالم ذات يوم . لأن أمريكا هي النموذج الديمقراطي المختار من العناية السماوية ” .
ويطول الحديث ، يطول كثيراً ، ولا تكفي مجلدات بحالها الحديث عن وجوه أمريكا . بعد هذا أعود إلى السؤال :
أين مثقفو أمريكا ؟!
طبعاً ، السؤال الذي طرح نفسه ن ويطرحه كثيرون ، نتيجة لسياسة الولايات المتحدة العدوانية ، وسياسة الإستكبار والعنجهية والغطرسة حتى البلطجة بالإضافة إلى دعمها اللا محدود إلى الكيان الصيهوني . وإذا كانت الحكومات المتاعقبة على حكم البيت الأبيض كلها عدوانية ؛ فهل يمكن أن يكون الشعب الأمريكي كله مخدرا وموافقا مع حكومته ، ولا سيما النخب منه والمثقفين والكتاب ؟!
الحقيقة : لا ، وكلا .
المثقفون الأمريكان من كتاب وشعراء وصحافيين وفنانين ، موجودون ومتواجدون على الساحة وبقوة ، وهم أدرى الناس بالمجتمع الأمريكي ، وهم الأكثر تفهما لسياسية البيت الأبيض ، والأكثر إدراكاً لوجوه أمريكا . . ولكن !!!
لقد كان المثقف الإمريكي موجود : وهو يناهض ويرفض السياسية الأمريكية داخل المجتمع الأمريكي وخارجه . داخل المجتمع الأمريكي الذي تمثل بالنضال ضد التمييز العنصري وضد العبودية ، ولنتذكر رواية ( كوخ العم توم ) للكاتبة هارييت ستاو عام 1852 . وكانت هذه الرواية نقطة تحول أدبية وسياسية في أمريكا . وقد اقتدى بها العديد من الكتاب وقد أثمرت جهودهم ، وانتهى عهد الرق والعبودية وتلت تلك الرواية أربع روايات أخرى من أجل تحرير العبيد .
وجاءت رواية( عناقيد الغضب ) ل جون شتاينبك لتسلط الضوء على المجتمع الأمريكي من خلال الكساد الكبير الذي حلّ في أمريكا . والذي يصور فيه شتاينبك الواقع القاسي من الاستغلال والفقر بدلاً من الوفرة والراحة والأحلام الوردية .
لقد برز المثقفون الأمريكان بعد إلقاء القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي ، ووصفوها بالصدمة الأخلاقية ، وحذروا من السلاح الجديد . وكانت ومازالت وصمة عار في تاريخ أمريكا .
أما في حرب أمريكا على فيتنام ، فقد شهدت تلك المرحلة أقوى حركات الإحتجاج من نخبة من الكتاب والشعراء والفلاسفة والصحفيين والطلاب . وقد وصفوها بجرائم حرب وجرائم أخلاقية وإمبريالية .
وباختصار : صورة المثقف اليوم قد تغيرت عن القرن العشرين , ففي القرن الماضي كان يمكن القول انه يوجد ( مثف مركزي ) تصغي إليه الصحف والجامعات والجماهير . أما اليوم فقد تفتت المنابر ، وغلب الإعلام السريع والدعاية الرقمية ، فتحول الكثير الكثير من المثقفين إلى أصوات متفرقة وسط ضجيج هائل . ثم ان الحروب المعاصرة لا تدار فقط بالسلاح ، بل بشاشات الفضائيات والتضليل الإعلامي ، وثمة تراجع ملفت لتأثير المقالة الصحفية أو الكتاب أمام الصورة العاجلة والأخبار المتدفقة : (خبر عاجل ) . في كل ثانية .
ومع كل ذلك ، لا يصح القول : إن المثقفين غائبون تماماً . أو ، اين المثقفون عموماً ـ ولا سيما في أمريكا ؟! لأن دورهم أصبح أبطأ ، خلال الضجيج السياسي اليومي . المثقف الحقيقي موجود لكن لا يظهر بسبب دخان المعارك .
نعم ياجوهر ، المثقف الأمريكي موجود ولم يكن غائباً . لكنه لا يستطيع إيقاف الآلة السياسية و العسكرية . ومع ذلك فقد لعب دوراً مهماً في كشف الحقائق وتحريك الرأي العام . وخلق معارضة أخلاقية وفكرية لحروب حكومته .
إن المثقف موجود ، ولكن عندما تنفصل القوة عن الضمير يصبح صوت الثقافة خافتاً أمام ضجيج الحرب وقرقعة السلاح . المثقف موجود ولم يكن غائباً ، لكن صوته لم يعد مسموعاً ..وفي هذا السياق ، قال توفيق الحكيم : ” إن منظر الإنسان في هذا القرن ليدعو إلى العجب ! فالصورة الحقيقية له هي صورة مخلوق : له ذكاء العالِم وضمير القرصان وغريزة الحيوان ” .
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
