آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » الدولة الحديثة تبدأ من العقل الذي يديرها

الدولة الحديثة تبدأ من العقل الذي يديرها

 

د. سلمان ريا

 

ليست الدولة الحديثة أبنيةً شاهقة، ولا مؤسساتٍ تتكاثر أسماؤها، ولا قوانينَ تتوالى في الجريدة الرسمية. إنها، قبل ذلك كله، عقلٌ يعرف كيف يفكّر، وبصيرةٌ تدرك تعقيدات الواقع، وإرادةٌ تحوّل المعرفة إلى فعل، والفعل إلى أثرٍ يلمسه الناس في حياتهم. فليس معيار الدولة ما تعلنه من خطط، بل ما تنجزه، ولا ما تصدره من قرارات، بل ما تحققه من نتائج. وبين الإعلان والإنجاز مسافة لا يقطعها الحماس وحده، وإنما يقطعها العلم، وحسن التقدير، وكفاءة المؤسسات، والقدرة على التعلّم من التجربة.

 

تبدأ سلامة القرار من فهم المشكلة، لا من استعجال إعلان الحل. فلكل مجتمع واقعه الاقتصادي والاجتماعي، ولكل مرحلة إمكاناتها وحدودها، وما يصلح في بلد قد لا يصلح في آخر، وما يبدو ممكناً على الورق قد يتعثر حين يصطدم بشروط الحياة الفعلية. لذلك لا تكون الحكمة في اتخاذ القرار الأسرع، بل في اتخاذ القرار الأجدر، بعد دراسة أسبابه وتقدير كلفته وآثاره، المباشرة منها وما قد يتولد عنها. فالقرارات العامة ليست جزرًا معزولة، بل حلقات في شبكة متداخلة، قد يصلح بعضها خللاً في موضع، ثم يفتح باباً لاختلال آخر في موضع مختلف، إذا غابت الرؤية التي تجمع أجزاء الصورة.

 

غير أن التخطيط، مهما بلغ من الدقة، يظل حبراً على ورق ما لم تحمله مؤسسات قادرة على تحويله إلى واقع، ويضطلع بتنفيذه أشخاص يمتلكون المعرفة والخبرة والشعور بالمسؤولية. فالموقع العام ليس امتيازاً يُمنح، ولا منصباً يُشغل، بل أمانة تتطلب الكفاءة قبل الولاء للأشخاص، والفهم قبل التلقين، والمبادرة المسؤولة قبل التنفيذ الآلي. والدولة التي تريد أن تتقدم لا تحتاج إلى من ينقلون الأوامر فحسب، بل إلى من يدركون غاياتها، ويحسنون تطبيقها، وينبّهون إلى مخاطرها حين تظهر، ويملكون الشجاعة المهنية لقول إن في التقدير خللاً قبل أن يتحول الخلل إلى أزمة.

 

ومن هنا، لا تُقاس قوة المؤسسات بقدرتها على فرض قراراتها، بل بقدرتها على اختبارها ومراجعتها وتصحيحها. فالقرار ليس حقيقة نهائية لمجرد أنه صدر عن سلطة، والخطة ليست نجاحاً لمجرد أنها دخلت حيّز التنفيذ. إنما تُختبر السياسات بما تتركه من آثار، وبمدى اقترابها من الأهداف التي وُضعت من أجلها. وحين تكشف النتائج قصوراً في التقدير، يصبح التراجع عن الخطأ تقدماً، وتغدو المراجعة علامة نضج لا مظهراً من مظاهر الضعف. أما الإصرار على مسار ثبت اختلاله، حفاظاً على صورة القرار أو هيبة صاحبه، فيحمّل المجتمع كلفةً إضافية كان يمكن تجنبها، ويحوّل الخطأ العابر إلى خلل مستدام.

 

ولأن الدولة ليست سلطةً فوق المجتمع، بل مؤسسة لإدارة شؤونه وحماية مصالحه، فإن الشفافية والمساءلة ليستا ترفاً سياسياً، وإنما من شروط الحكم الرشيد. من حق الناس أن يعرفوا لماذا تُتخذ القرارات التي تمس حياتهم، وعلى أي تقديرات تستند، وكيف تُقاس نتائجها، ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق حين يقع. وليس المقصود أن تتحول الإدارة إلى محاكمة دائمة، بل أن يصبح النقد وسيلةً للتصحيح، والمعلومة أساساً للاختيار، والمحاسبة ضمانةً لعدم تكرار الخطأ. فالثقة لا تُطلب من المجتمع بقدر ما تُبنى معه، ولا تنشأ من الخطاب وحده، بل من اتساق القول والفعل، ومن شعور المواطن بأن صوته مسموع، وأن المصلحة العامة تتقدم على الاعتبارات الضيقة.

 

إن تحديث الدولة، لذلك، لا يتحقق بتغيير القوانين والهياكل وحدها، ولا باستنساخ تجارب الآخرين كما لو أن المجتمعات نسخ متشابهة. إنه مشروع متكامل لتحديث العقل الذي يشرّع، والمؤسسة التي تخطّط، والإدارة التي تنفّذ، والآليات التي تراقب وتقوّم. مشروع يجعل العلم مرجعاً للقرار، والكفاءة معياراً للمسؤولية، والتنسيق بديلاً عن تضارب السياسات، ويوازن بين الطموح والإمكانات، وبين حاجات الحاضر وحقوق المستقبل. فالدولة التي لا ترى الترابط بين قطاعاتها تشبه من يصلح نافذةً في بيت تتصدع أساساته، والدولة التي لا تتعلم من نتائج أعمالها محكومة بأن تعيد أخطاءها، ولو تغيّرت الوجوه وتبدلت العناوين.

 

في النهاية، ليست الدولة الحديثة هي التي تصدر أكثر، أو تعد أكثر، أو ترفع سقف التوقعات إلى أعلى مدى، بل التي تعرف ماذا تريد، ولماذا تريده، وكيف تبلغه، ثم تمتلك الشجاعة لمراجعة الطريق إذا أخطأت الحساب. فبناء الدولة لا يبدأ من وفرة القرارات، بل من جودة التفكير الذي يسبقها، ولا يكتمل بصدورها، بل بحسن تنفيذها وعدالة آثارها. وحين يصبح الإنسان الكفء في موقع المسؤولية، والمعرفة في أساس السياسة، والمساءلة في صميم الإدارة، يغدو الإصلاح أكثر من شعار، وتصبح الدولة مشروعاً حياً يتجدد بقدرته على الفهم والتصحيح والإنجاز. تلك هي الحداثة التي تستحق اسمها، حداثة لا تُقاس بما تملكه الدولة من أدوات، بل بما تملكه من عقلٍ يحسن استخدامها، وبما تمنحه لمواطنيها من ثقةٍ وأمانٍ وفرصٍ للحياة.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من تروث سوشيال إلى البيت الأبيض.. ترمب يعيّن كاتي زكريا متحدثة رسمية

أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الجمعة تعيين كاتي زكريا -مستشارة الاتصالات لمنصته تروث سوشيال– متحدثة باسم البيت الأبيض، خلفا لكارولين ليفيت التي استقالت من المنصب في ...