آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » النظام العالمي المتغير: حين تصبح القدرة على التكيف شرطاً للبقاء

النظام العالمي المتغير: حين تصبح القدرة على التكيف شرطاً للبقاء

 

م.حسان نديم حسن

التحولات الكبرى في التاريخ ليست أحداثاً صاخبة دائماً فهي غالباً تبدأ بصمت من خلال عجز مالي يتراكم و تعليم يتراجع و مؤسسات تفقد ثقتها و طبقة وسطى تنكمش و نخب سياسية تواصل الحديث بلغة قديمة عن عالم لم يعد موجوداً.

العالم اليوم يدخل مرحلة انتقالية عميقة تتعدى صراعاً بين الشرق والغرب فهي تخص طبيعة القوة نفسها.
فالدولة التي كانت تقاس سابقاً بمساحة أراضيها وعدد جنودها ومواردها الطبيعية باتت تقاس اليوم بقدرتها على إنتاج المعرفة و حماية عملتها و امتلاك التكنولوجيا و التحكم بسلاسل الإمداد و بناء مؤسسات قادرة على اتخاذ القرار في زمن شديد التعقيد.

القوة الحديثة لم تعد دبابة وطائرة وحاملة طائرات فقط .لقد أصبحت أيضاً خوارزمية و مصرفاً مركزياً و جامعة بحثية و شركة تكنولوجيا و ميناء ذكي و شبكة بيانات وثقة عامة بالدولة و من لا يفهم هذا التحول سيواصل الاستعداد لحروب الأمس بينما يخسر معارك الغد.
الأمم لا تفشل لأنها تفتقر إلى الشعارات إنها تفشل لأنها تعجز عن تحويل الشعارات إلى مؤسسات. تفشل عندما تصبح الإدارة عبئاً على المجتمع بدل أن تكون أداة لتنظيم طاقته. تفشل عندما تستبدل الإنتاج بالاستهلاك والتخطيط بردود الفعل.
عندها لا تحتاج الدولة إلى مؤامرة خارجية كي تضعف إذ يكفي أن تستمر في إدارة نفسها بالأدوات ذاتها التي صنعت أزمتها.

في المقابل تنجح الأمم حين تفهم أن الاستقرار الحقيقي ليس سكوناً بل قدرة منظمة على التغير.
الدولة الناجحة ليست تلك التي تمنع الأسئلة بل التي تمتلك شجاعة الإجابة عنها وليست التي تخفي أزماتها بل التي تقيسها بصدق وتتعامل معها قبل أن تتحول إلى انفجار.
لذلك تبدو الشفافية والمساءلة والتعليم والقضاء المستقل والعدالة الاقتصادية عناصر استراتيجية لا ترفاً سياسياً.

أكثر ما يهدد الدول في مراحل التحول ليس الفقر وحده إنما فقدان الثقة.
حين يفقد المواطن ثقته بالمؤسسة والمستثمر ثقته بالقانون والشاب ثقته بالمستقبل تبدأ الدولة بخسارة أهم رأسمال لديها و هو الثقة بإمكانية الإصلاح. وحين تتآكل هذه الثقة يصبح كل قرار متأخر وكل إصلاح ناقص وكل خطاب رسمي أكثر بعداً عن الواقع.

النظام العالمي الجديد لن يكون رحيماً بالدول الهشة فالعولمة التي منحت فرصاً واسعة في العقود الماضية تتحول اليوم إلى عولمة انتقائية من سلاسل إمداد آمنة إلى تكنولوجيا محمية و عملات مراقبة و حدود اقتصادية غير معلنة و تحالفات تبنى على المنفعة لا على العاطفة.
في هذا العالم لا يكفي أن تكون الدولة

ذات موقع جغرافي مهم يجب أن تعرف كيف تحوّل الموقع إلى قيمة ولا يكفي أن تمتلك الموارد يجب أن تعرف كيف تحولها إلى إنتاج ومعرفة ونفوذ.
أما أخطر أوهام الدول المتأخرة فهو الاعتقاد بأن الزمن يعمل لصالحها. الزمن لا يعمل لصالح أحد هو يعمل لصالح من يستثمره فقط. و الدول التي تؤجل إصلاح التعليم و تؤجل تحديث الإدارة و تؤجل مكافحة الفساد و تؤجل بناء اقتصاد منتج لا تحفظ استقرارها بل تنقل كلفة الفشل إلى الجيل التالي.

في منطقتنا العربية تبدو هذه الحقيقة أكثر قسوة . لدينا ثروات و مواقع هامة و طاقات بشرية وأسواق واسعة لكننا في كثير من الحالات نعاني فجوة عميقة بين الإمكانات والإدارة.
من هنا بدأت بعض الدول تدرك أن المستقبل لا يبنى بالريع وحده فاتجهت إلى التكنولوجيا و الطاقة المتجددة والسياحة والخدمات اللوجستية والتعليم الحديث .

الدولة التي تريد النجاة في هذا العالم لا تحتاج إلى خطاب كبير بقدر ما تحتاج إلى عقل عملي. عليها أن تسأل ماذا ننتج؟ و ماذا نعلم أبناءنا؟ و ما قيمة عملتنا؟ و ما جودة مؤسساتنا؟ و هل الإدارة تجذب الاستثمار أم تطرده؟ و هل الشباب يرون مستقبلاً داخل بلدهم أم خارجه؟ هذه الأسئلة البسيطة هي في الواقع أسئلة بقاء.

التحولات العالمية لا تصنع مصائر الدول وحدها لكنها تكشف حقيقتها. الدولة القوية تخرج من التحول أكثر حضوراً و الدولة الضعيفة تنكشف هشاشتها. لذلك فإن المعركة الحقيقية ليست فقط بين أمريكا والصين أو بين الشرق والغرب بل داخل كل دولة . بين عقلية الإصلاح وعقلية الإنكار بين دولة المؤسسات ودولة الأشخاص بين الإنتاج والريع بين المستقبل والماضي.

في النهاية لا تسقط الأمم عندما تخسر معركة واحدة هي تسقط عندما تفقد قدرتها على التعلم. ولا تنهض لأنها تملك تاريخاً عظيماً إنما لأنها تملك مشروعاً للمستقبل.
العالم يتغير بسرعة ومن لا يملك شجاعة التغيير سيجد نفسه خارج المعادلة كنتيجة طبيعية لعجزه عن فهم الزمن الذي يعيش فيه.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الهوية الجامعة أقوى من أي انعزال تنظيمي

بقلم: المهندس مكرم عبيد     تكمن قوة المسيحيين، تاريخيًا، في تنوعهم العابر للقارات، وفي إسهاماتهم العميقة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعلوم والآداب والفلسفة، وسائر ...