آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » حكاية الزمان…

حكاية الزمان…

 

بقلم:المهندس محمود محمد صقر

 

الزمن كائن غريب ….

 

كلما حاول الإنسان تنظيمه بالروزنامات والساعات،

اكتشف متأخرًا

أن “الوقت الضائع”

هو أكثر شيء يملكه.

 

لم يبدأ الزمنُ حين دقّت أول ساعة،

ولا حين تعلّم الإنسان عدَّ الأيام فوق الرمل،

بل بدأ يوم شعرَ أولُ إنسانٍ بالخوف من الغد.

 

ومنذ تلك اللحظة،

والبشر يركضون خلف المستقبل،

ثم حين يصلون إليه

يجلسون في المقاهي

ليتحسروا على الماضي.

 

في طفولة الحضارات،

كان الإنسان يرفع رأسه نحو السماء

باحثًا عن الآلهة،

ثم كبر قليلًا

فصار يبحث عن نفسه.

 

ومع كل قرن،

كان يظن أنه أصبح أكثر حكمة،

بينما كان يبدّل فقط

شكل أخطائه القديمة.

 

الإمبراطوريات أيضًا كانت واثقة من نفسها جدًا…

كل إمبراطورية كانت تعتقد أنها خالدة،

ثم ينتهي بها الأمر

فصلًا صغيرًا في كتاب التاريخ،

يشرحه طالبٌ نعسان

قبل الامتحان بليلة واحدة.

 

الإنسان القديم كان يخاف من الرعد،

أما الإنسان الحديث

فيخاف من رسالة:

“نرجو مراجعة الإدارة صباحًا.”

 

تغيرت الأدوات فقط…

أما القلق،

فما زال يعمل بكفاءة

منذ فجر الحضارة.

 

حتى الحروب تطورت…

قديمًا كانوا يتقاتلون بالسيوف،

أما اليوم

فيتقاتلون بالمؤتمرات،

ثم يخرج الجميع بصورة جماعية مبتسمين.

 

دخل العالم عصر السرعة

فظن البشر أنهم اقتربوا من الراحة،

لكن الحقيقة أن كل شيء صار يركض:

المدن،

الأسواق،

الأخبار،

الهواتف،

حتى الخوف نفسه

أصبح أسرع من السابق.

 

في الماضي،

كان الرجل يسافر شهرًا كاملًا

ليصل إلى مدينة بعيدة،

ثم يعود وفي جعبته حكايات تكفي عامًا كاملًا.

 

أما اليوم،

فيمكن للإنسان أن يعبر نصف الكرة الأرضية خلال ساعات،

ثم يقول عند الوصول:

“آسف… لا وقت لدي.”

 

ثم جاءت التكنولوجيا

ووعدتنا بأن تجعل العالم قرية صغيرة.

 

وفعلًا…

صار العالم قرية صغيرة جدًا،

لكن سكانها توقفوا عن زيارة بعضهم.

 

صرنا نعرف أخبار الحروب لحظة وقوعها،

لكننا بالكاد نعرف

ماذا يجري داخل بيوت أصدقائنا.

 

كل عصرٍ يعتقد أنه أكثر ذكاءً من الذي قبله،

ثم يترك للأجيال القادمة

كميةً محترمة من الفوضى

كي تلعنه بدورها.

 

والإنسان…

ذلك الكائن المدهش،

ما زال منذ آلاف السنين

يبني المدن،

ويؤلف القوانين،

ويخترع الآلات،

ثم يعود مساءً

ليقلق من أشياء

لا يراها أصلًا.

 

وربما هذه هي حكاية الزمان كلها:

 

أن الإنسان

هو الكائن الوحيد

الذي يتعثر بالحجر نفسه…

ثم يعود بعد قرون،

ليضع حوله الأسوار،

ويكتب فوقه الخطب،

ويختلف مع الآخرين على تفسيره،

ثم يعلن أخيرًا،

بشئ من الزهو

هنا بدأت الحضارة

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أسئلة ملحّة حول الوضع في حرب الخليج

    كتب محمد خير الوادي:   سألني بعض الأصدقاء: إلى أين تمضي الآن الأوضاع في منطقة الخليج بعد تجدد الضربات المتبادلة بين أمريكا وإيران؟ ...