آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » قراءة هادئة في تحولات الشرق الأوسط (9): ما بعد العاصفة… حين بدأت التوازنات العميقة تظهر

قراءة هادئة في تحولات الشرق الأوسط (9): ما بعد العاصفة… حين بدأت التوازنات العميقة تظهر

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

ليست هذه السلسلة محاولةً لإعادة فتح جراح الماضي،
ولا لإدانة مرحلةٍ أو تمجيد أخرى،
بل محاولة لفهم التحولات الكبرى
التي عاشتها منطقتنا خلال العقود الأخيرة.

فبين الحروب،
والثورات،
والصراعات الدولية،
والتحولات الاقتصادية والسياسية،
ضاعت أحيانًا القدرة على القراءة الهادئة للأحداث
وسط ضجيج الانفعال والانقسام.

ومن هنا جاءت فكرة هذه الحلقات:
أن نحاول قراءة التاريخ القريب بعينٍ أكثر هدوءًا،
لا لنعيش داخله،
بل لنتعلم كيف نعبر منه نحو المستقبل.

لأن الغاية الحقيقية من فهم التحولات
ليست البقاء أسرى لها،
بل الوصول إلى ما هو أهم:

أجيال تبني أملًا من تاريخٍ قريب

أجيال تدرك أن الأوطان لا تُبنى بالكراهية،
ولا بالانفعال المستمر،
بل بالوعي،
والمعرفة،
وفهم العالم،
والقدرة على تحويل التجارب القاسية إلى خبرةٍ تصنع مستقبلًا أفضل.

بعد عام 2020،
لم يعد الشرق الأوسط يعيش فقط ارتدادات الثورات والحروب،
بل بدأ يدخل مرحلة مختلفة بالكامل؛
مرحلةٌ هدأت فيها بعض الجبهات،
لكن الأسئلة الكبرى أصبحت أكثر عمقًا وتعقيدًا.

فبعد سنواتٍ طويلة
بدا فيها المشهد وكأنه صراعٌ مباشر
بين أنظمةٍ وشعوب،
أو بين محاورٍ ودول،
بدأت الصورة تكشف شيئًا آخر أكثر خفاءً:
أن العالم لا يتحرك دائمًا
وفق ما يظهر على الشاشات.

لقد بدا واضحًا أن القوى الكبرى
ليست كتلةً واحدة متجانسة،
بل عالمًا واسعًا من المؤسسات،
ومراكز القرار،
ومكاتب السياسة،
والأجهزة،
والرؤى المتنافسة.

فداخل الدولة العظمى الواحدة،
قد يرى فريقٌ أن بقاء نظامٍ ما ضرورةٌ للاستقرار،
بينما يرى فريقٌ آخر أن تغييره قد يخدم مصالحه بصورةٍ أفضل.

وقد يدعو بعضهم إلى الضغط والعقوبات،
في حين يدعو آخرون إلى الاحتواء والتفاهم،
ليس انطلاقًا من المبادئ وحدها،
بل لأن مصالح الدول العظمى نفسها
ليست دائمًا متطابقةً في الوسائل،
حتى وإن التقت أحيانًا عند النتائج الكبرى.

ومن هنا،
بدأ كثيرون يلاحظون مفارقةً معقدة:
أن أنظمةً تبدو في الظاهر
وكأنها في حالة عداءٍ دائم،
قد تلتقي ضمنيًا
عند حماية توازناتٍ معينة،
أو عند منع تغييراتٍ تهدد مصالح أوسع.

ففي عالم السياسة الدولية،
قد يرتفع الخطاب العدائي في العلن،
بينما تستمر خلف الستائر
قنوات التفاهم،
والتوازن،
وإدارة المصالح المشتركة.

ولم يكن الإعلام بعيدًا عن هذا المشهد.
فمع تطور الفضائيات،
ثم وسائل التواصل الحديثة،
لم تعد المعركة فقط على الأرض،
بل أصبحت أيضًا معركةً على الرواية،
وعلى تشكيل وعي الشعوب،
وتوجيه الرأي العام،
وتحديد من يظهر بصورة الضحية،
ومن يظهر بصورة الخطر.

وهكذا،
أصبح الإعلام الدولي أحيانًا
جزءًا من أدوات النفوذ الكبرى،
تُستخدم فيه الصورة،
والخبر،
والتحليل،
بل وحتى الصمت أحيانًا،
بما يخدم مصالح الدول الكبرى
ورؤيتها للصراع والتوازنات.

فما يُسلَّط عليه الضوء،
وما يُخفى،
وما يُضخَّم،
وما يُهمَّش،
لم يكن دائمًا منفصلًا
عن حسابات النفوذ والمصالح الدولية.

ولهذا،
بدت بعض الصراعات وكأنها تتحرك داخل سقفٍ غير مُعلن؛
سقفٍ يسمح بالضغط…
لكن لا يسمح بالسقوط الكامل،
ويسمح بالصراع…
لكن لا يسمح بانفجارٍ يهدد البنية الكبرى للنظام العالمي.

فالممرات البحرية،
والطاقة،
وسلاسل التجارة،
واستقرار الأسواق،
ليست تفاصيل هامشية في السياسة الدولية،
بل جزءٌ من الأعصاب العميقة
التي تتحكم بكثير من القرارات والتحالفات.

ومن هنا،
لم تعد القضية فقط:
من يحكم؟
بل أيضًا:
كيف تبقى حركة العالم مستمرة
دون انهيارٍ شامل؟

وهكذا،
بدأ كثيرون يكتشفون أن السياسة الدولية
ليست دائمًا مواجهةً بين خيرٍ وشر،
ولا بين صديقٍ وعدو فقط،
بل شبكة معقدة
من المصالح،
والخوف،
والتوازنات،
والتنافس داخل الغرفة الواحدة نفسها.

وهنا بدأت مرحلة جديدة،
لم تعد فيها الشعارات وحدها تكفي لفهم الأحداث،
بل أصبحت الحاجة أكبر إلى قراءة البنية العميقة
التي تتحرك خلف الضجيج السياسي اليومي
(موقع: سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين تصبح الذاكرة الوطنية في خطر 

بقلم: سمير حماد   أليس من المؤلم أن يرى كل طرف من المكونات السورية،التاريخ والواقع من منظاره وحده، وكأن الحقيقة لا تتسع إلا لرواية واحدة؟ ...