تدخل اللغة الكردية مساراً تعليمياً رسمياً ومنظماً في المدارس السورية مع بدء العام الدراسي 2026-2027، تنفيذاً للمرسوم رقم 13 لعام 2026 والتعليمات التنفيذية الصادرة عن وزارة التربية والتعليم، التي اعتمدتها مادة اختيارية بمعدل حصتين أسبوعياً، في خطوة تهدف إلى صون الحقوق الثقافية واللغوية وتعزيز التنوع في إطار الهوية الوطنية السورية الجامعة.
الاعتراف باللغة بالكردية.. ماذا أقر المرسوم 13؟
ويستند تدريس اللغة الكردية إلى المرسوم رقم 13 الذي أصدره الرئيس أحمد الشرع في الـ 16 من كانون الثاني 2026، ونص في مادته الأولى على أن المواطنين السوريين الكرد جزء أساسي وأصيل من الشعب السوري، وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء لا يتجزأ من الهوية الوطنية السورية المتعددة والموحدة.
كما نصت المادة الثالثة من المرسوم على اعتبار اللغة الكردية لغة وطنية، والسماح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان، ضمن المناهج الاختيارية أو كنشاط ثقافي تعليمي.
من الإقصاء لعقود إلى حضور الكردية في المدرسة السورية
وعانى الكرد في سوريا على مدى أكثر من نصف قرن من سياسات تمييز وإقصاء، برزت بصورة واضحة عقب إحصاء عام 1962 في محافظة الحسكة، وما ترتب عليه من حرمان آلاف المواطنين من الجنسية السورية وفرض قيود على ممارسة حقوقهم المدنية والسياسية.
وتفاقمت هذه السياسات بعد استيلاء حزب البعث المنحل على السلطة عام 1963، ولاسيما عقب انقلاب المجرم حافظ الأسد عام 1970، لتترسخ على مدى عقود حالة من الإقصاء القانوني والثقافي واللغوي.
ومع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، شارك السوريون الكرد إلى جانب مختلف مكونات المجتمع السوري في الثورة، في وقت سعى فيه النظام البائد إلى استغلال بعض الأحزاب الانفصالية وتسليحها ودعمها بهدف زرع الفتنة وإضعاف وحدة الشعب السوري.
وعقب النصر والتحرير، بدأت الدولة مساراً لتصحيح هذا الإرث، عبر ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية وضمان الحقوق الثقافية واللغوية للسوريين الكرد، بالتوازي مع العمل على دمج «قسد» ضمن مؤسسات الدولة، وهو ما تجسد في اتفاقي الـ 10 من آذار 2025 والـ 29 من كانون الثاني 2026، في إطار بناء سوريا موحدة لجميع أبنائها.
كيف ستُدرس اللغة الكردية؟ .. مادة اختيارية وحصتان كل أسبوع
وفي الـ 26 من كانون الثاني الماضي، أصدرت وزارة التربية والتعليم التعليمات التنفيذية الخاصة بتطبيق أحكام المرسوم رقم 13، بما ينسجم مع غايته في صون الحقوق الثقافية واللغوية وتعزيز التنوع ضمن إطار الوحدة الوطنية.
واعتمدت الخطة الدراسية أن تكون اللغة الكردية مادة اختيارية للطلاب، وتُدرس بمعدل حصتين أسبوعياً في جميع الصفوف، وتُسجل درجة المادة في المجموع العام، من دون أن تؤثر نتيجتها في النجاح أو الرسوب، بما يتيح للطالب فرصة تعلم اللغة الكردية دون أن تتحول المادة إلى عامل ضغط دراسي إضافي.
ستة أشهر لإعداد المناهج
وبموجب التعليمات، كُلف المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية بإعداد مناهج مادة اللغة الكردية لجميع المراحل التعليمية خلال مدة لا تتجاوز ستة أشهر، على أن تستكمل عمليات الإعداد والاعتماد والطباعة قبل بدء العام الدراسي 2026-2027.
كما كُلفت مديريتا التعليم والإشراف التربوي بتأمين الكوادر اللازمة للتدريس من داخل الملاك أو خارجه، مع إخضاع المتقدمين لاختبارات كتابية وشفهية للتحقق من إتقانهم اللغة الكردية، وتنظيم برامج تدريب وتأهيل للمدرسين المكلفين بتدريسها.
وفي الـ 29 من كانون الثاني، بدأ المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية العمل على إعداد وتأليف مناهج اللغة الكردية لمختلف المراحل الدراسية، بعد تشكيل لجنة متخصصة تضم خبراء لغويين وتربويين من مختلف المحافظات.
ووضعت اللجان المعايير العامة للمناهج بما ينسجم مع الإطار الوطني لها، ثم جرى تفريعها إلى معايير تفصيلية لكل مرحلة دراسية، تمهيداً لإعداد المحتوى واعتماده ودفعه إلى الطباعة في المؤسسة العامة للمطبوعات، قبل توزيعه على المدارس المعنية.
من إعداد الكتب إلى تأهيل المدرسين.. كيف تستعد الوزارة للعام الدراسي؟
وفي الخامس من آذار، أعلن المركز الوطني لتطوير المناهج التربوية فتح باب استقبال طلبات العاملين من داخل الملاك وخارجه الراغبين بالمشاركة في تأليف مناهج اللغة الكردية، وفق شروط شملت الحصول على إجازة جامعية ودبلوم تأهيل تربوي، وإتقان اللغة الكردية قراءة وكتابة وقواعد، إلى جانب امتلاك خبرة في تأليف المناهج التربوية.
وفي الـ17 من آب الجاري، أعلنت وزارة التربية والتعليم، عبر مديرية التنمية الإدارية، رغبتها باستقطاب مدرسين لتدريس اللغة الكردية من داخل الملاك أو خارجه، ممن تتوافر فيهم الشروط والمؤهلات المطلوبة، وفق الحاجة الفعلية.
أين ستُدرّس اللغة الكردية؟
ونص المرسوم على تدريس اللغة الكردية في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل الكرد فيها نسبة ملحوظة من السكان.
وأكد وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو أن المرسوم رقم 13 يمثل انتقالاً نوعياً في الإطار التاريخي للتعامل مع القضية الكردية في سوريا، ويرسخ مبدأ المواطنة القائم على الحقوق والواجبات في بناء سوريا الجديدة.
وأوضح تركو أن الوزارة بدأت تنفيذ المرسوم من خلال إعداد المناهج وتأمين الكوادر، لتشمل العملية مختلف الجغرافيا السورية، بما فيها شرق سوريا، مشدداً على أن الوزارة تعمل على أن تكون المدرسة مساحة للانتماء الوطني، لا للتمييز والإقصاء.
وتتولى الجهات التعليمية تحديد الحاجة الفعلية للمدرسين والمدارس المستهدفة وفق الكوادر المتوافرة وطبيعة المناطق المشمولة، بما ينسجم مع المرسوم والتعليمات التنفيذية.
الكردية.. من البيت والذاكرة إلى مادة في المدرسة
من جانبه، أكد الباحث في الشأن الكردي محمد السليمان، في تصريح لـ”سانا”، أن تعلم اللغة الأم لأي مكون من مكونات المجتمع حق يتيح لأبنائه تعلمها قراءة وكتابة وقواعد، والاطلاع على أدبها والإبداع بها.
وأوضح السليمان أن اللغة تحمل الثقافة والذاكرة بما تضمّه من أمثال وحكايات وشعر وعادات وتقاليد، مشيراً إلى أن اللغة الكردية تعرضت للتهديد جراء السياسات الإقصائية التي اتبعها النظام البائد.
ورأى أن تدريسها رسمياً يمنحها وضعاً قانونياً يحميها من الاندثار، ويوفر المجال لتطورها ونموها، ويعزز الكتابة والإبداع بها.
المناهج والكوادر.. تحديات التطبيق
وحول تحديات تدريس اللغة الكردية، رأى السليمان أن إعداد مناهج موحدة يأتي في مقدمتها، إلى جانب محدودية الكوادر المتخصصة، مقترحاً البدء تدريجياً بمناهج المرحلة الابتدائية وتطويرها لاحقاً، مع تأهيل كوادر قادرة على تدريسها.
وأكد السليمان أن تدريس اللغة الكردية يعزز الهوية الثقافية واللغوية والانتماء الوطني، ويوفر مساحة للغة والثقافة داخل المدرسة، مشيراً إلى أن تعلم لغة إضافية في سن مبكرة يدعم اكتساب اللغات، ويجعل التنوع اللغوي والثقافي رافداً للهوية الوطنية السورية الجامعة.
أخبار سوريا الوطن١-سانا
syriahomenews أخبار سورية الوطن
