بقلم: المهندس حسان نديم حسن
تواجه الوحدات الإدارية في سوريا تحديات متزايدة في تمويل خدماتها الأساسية، في وقت تعتمد فيه بدرجة كبيرة على المخصصات والتحويلات من الموازنات المركزية أو موازنة المحافظة. وفي المقابل، تنشأ داخل حدودها موارد مالية مهمة، أبرزها ضريبة البيوع العقارية، بينما تتحمل البلديات تكاليف الطرق والإنارة والنظافة وتصريف المياه والخدمات التنظيمية المرتبطة بالنشاط العقاري.
وهنا تظهر مشكلة جوهرية: المورد ينشأ محليًا، والبنية التحتية التي يخدمها النشاط العقاري محلية، لكن الإيراد الضريبي يذهب بالكامل إلى الخزينة المركزية. وهذا يحد من قدرة البلديات على تطوير خدماتها ويجعلها أكثر اعتمادًا على التمويل المركزي.
*نحو توزيع أكثر عدالة
يمكن اعتماد آلية تتيح تخصيص 33 إلى 50 بالمئة من حصيلة ضريبة البيوع العقارية لصالح صندوق الوحدة الإدارية التي يقع العقار ضمن نطاقها، مع إبقاء النسبة المتبقية للخزينة المركزية. ولا يعني ذلك نقل المورد بالكامل إلى المستوى المحلي، بل تحقيق توازن بين حق المركز وحاجة الوحدات الإدارية.
ويمكن تنفيذ ذلك آليًا عبر الربط الإلكتروني بين مديريات المالية والوحدات الإدارية، بحيث تُحوّل الحصة المستحقة مباشرة عند إتمام عملية البيع واستيفاء الضريبة. وهذا يوفر للبلديات موردًا منتظمًا يساعدها على التخطيط والاستثمار بدل انتظار المخصصات والإجراءات الطويلة.
من الضريبة إلى التنمية
إن رؤية المواطن لأثر الضريبة في منطقته، من خلال تعبيد الطرق أو تحسين الإنارة أو الصرف الصحي والنظافة، تعزز ثقته بالضريبة وتكرّس مفهوم المواطنة الضريبية، باعتبارها مساهمة تعود بالنفع على المجتمع المحلي.
كما أن امتلاك البلديات لموارد حقيقية سيمنحها قدرة أكبر على تحسين البنية التحتية والبيئة الاستثمارية، ما قد يؤدي إلى حلقة تنموية إيجابية: خدمات أفضل، استثمار أكبر، نشاط عقاري أوسع، إيرادات ضريبية أعلى، وموارد محلية إضافية لتمويل مزيد من المشاريع.
*تخفيف العبء عن الدولة
قد يبدو تخصيص جزء من الضريبة للوحدات الإدارية تراجعًا في الإيرادات المركزية، لكنه قد يخفف في المقابل من الأعباء التي تتحملها الدولة في تمويل المشاريع الخدمية المحلية الصغيرة والمتوسطة.
فبدل أن تتحمل الخزينة المركزية مسؤولية كل شارع أو شبكة إنارة أو مشروع خدمي، يمكن منح المستوى المحلي دورًا أكبر في تمويل وتنفيذ احتياجاته، مع بقاء الدولة مسؤولة عن السياسات العامة والمشروعات الكبرى وتحقيق التوازن المالي بين المناطق.
*ضوابط تضمن حسن الاستخدام
نجاح هذا المقترح يتطلب أتمتة وربطًا شبكيًا كاملًا بين الجهات المالية والوحدات الإدارية، إضافة إلى تخصيص الأموال المحولة للمشروعات الاستثمارية والبنية التحتية والخدمات العامة، وعدم استخدامها للرواتب والنفقات التشغيلية الاعتيادية.
كما ينبغي تعزيز الرقابة والشفافية من خلال نشر بيانات دورية توضح حجم الإيرادات المحولة وكيفية إنفاقها، بما يسمح للمواطن بمعرفة ما دخل إلى صندوق وحدته الإدارية وما أنفق منه.
*اللامركزية المالية ضرورة
لا يمكن تحقيق تنمية محلية حقيقية من دون موارد مالية تمكن المجالس المحلية من أداء مسؤولياتها. ولذلك فإن إعادة توزيع جزء من الإيرادات المتولدة محليًا ليست مجرد مسألة محاسبية، بل خطوة نحو بناء علاقة أكثر توازنًا بين المركز والوحدات المحلية.
إن تخصيص ثلث أو نصف ضريبة البيوع العقارية للوحدة الإدارية التي نشأ فيها المورد يمكن أن يشكل بداية عملية للامركزية المالية.
فالهدف ليس إضعاف الخزينة المركزية، بل تقوية الدولة من خلال تقوية وحداتها المحلية، وتحويل البلدية من جهة تنتظر المخصصات إلى مؤسسة قادرة على التخطيط والتنفيذ والمشاركة الفعلية في التنمية

(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

