رئيس التحرير-هيثم يحيى محمد
كثيراً ما يُطرح في مجتمعاتنا سؤالٌ يبدو في ظاهره بسيطاً، لكنه يحمل في داخله إشكالية عميقة: هل يؤدي الإعلام الذي ينتقد أداء الحكومة أو يكشف أخطاء المسؤولين إلى إضعاف الدولة، أم أنه يساهم في حمايتها وتقوية مؤسساتها؟
الواقع أن الدولة ليست شخصاً أو مسؤولاً أو حكومةً بعينها، بل هي مؤسسات وقوانين ومجتمع واقتصاد ومصالح عامة ومستقبل مشترك. ومن هنا، فإن الدفاع عن الدولة لا يعني بالضرورة الدفاع عن كل قرار يصدر باسمها، ولا يعني تحويل الإعلام إلى منصة لتبرير كل ما تقوم به السلطة، صواباً كان أم خطأ.
بل إن الإعلام الوطني الحقيقي قد يكون، في كثير من الأحيان، أحد أهم خطوط الدفاع عن الدولة.
الإعلام الذي ينقل للمسؤول ما لا يصل إليه من معلومات، ويضع أمامه شكاوى الناس ومشكلاتهم، وينبه إلى آثار قرار ما على الإنتاج أو الاقتصاد أو حياة المواطنين، لا يعمل ضد الدولة؛ وإنما يؤدي وظيفة وطنية أساسية. فهو يتيح لصانع القرار أن يرى الصورة كاملة، لا الصورة التي يرغب البعض في أن يراها.
وقد أكدت مؤسسات دولية، بينها اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن الصحافة المهنية المستقلة تؤدي دوراً في المساءلة، وإتاحة المعلومات، وتعزيز الحكم الرشيد والتنمية المستدامة. كما يصف البنك الدولي الإعلام بأنه يؤدي أدواراً مهمة بوصفه مراقباً للسلطة، ووسيلة لطرح القضايا العامة، ومنبراً لتعدد وجهات النظر.
*النقد ليس هدماً للدولة
هناك خلط شائع بين انتقاد أداء السلطة وبين معاداة الدولة. وهذا الخلط يمكن أن يكون خطيراً؛ لأنه يقود في النهاية إلى إعلام يخشى السؤال، ويتجنب الملفات الحساسة، ويكتفي بترديد البيانات الرسمية والاحتفاء بالقرارات.
لكن ماذا يحدث عندما تكون هناك أخطاء ولا تجد من يقول إنها أخطاء؟
وماذا يحدث عندما يصدر قرار يضر بقطاع إنتاجي أو يرفع كلفة المعيشة أو يعطل الاستثمار، ثم تتسابق وسائل الإعلام إلى تقديمه باعتباره إنجازاً لمجرد أنه صدر عن جهة رسمية؟
في هذه الحالة لا يكون الإعلام قد حمى الدولة، بل حرمها من فرصة تصحيح الخطأ.
إن القرار الحكومي، مهما كانت الجهة التي أصدرته، ليس مقدساً. ومن حق المجتمع أن يسأل عن نتائجه، ومن واجب الإعلام أن يتابع آثاره بعد صدوره، لا أن يكتفي بنشره لحظة الإعلان عنه.
فالسياسة العامة لا تُقاس فقط بالنوايا التي أعلنت عند إصدارها، وإنما بما تنتجه على الأرض من نتائج على المواطن والاقتصاد والإنتاج والخدمات.
ومن هنا يصبح الإعلام الجريء، عندما يستند إلى المعلومات والوثائق والوقائع ويحترم حق الرد، شريكاً في تحسين القرار العام، لا خصماً للدولة.
*الإعلام الذي يسمع المواطن
الدولة القوية ليست الدولة التي لا يسمع فيها أحد صوتاً معارضاً أو شكوى من مواطن، وإنما الدولة التي تمتلك القدرة على الاستماع إلى مواطنيها وتصحيح مسارها.
وهنا تظهر إحدى أهم وظائف الإعلام: أن يكون جسراً حقيقياً بين المجتمع ومؤسسات الدولة.
فالمواطن الذي يواجه مشكلة في مؤسسة عامة، أو مزارع يعاني من قرار يهدد إنتاجه، أو صناعي يواجه إجراءً يعيق عمله، أو موظف يرى خللاً في تطبيق قانون، قد لا يمتلك دائماً القدرة على إيصال صوته مباشرة إلى صاحب القرار. وهنا يمكن للإعلام المهني أن ينقل القضية، ويتحقق منها، ويضعها أمام المسؤولين والرأي العام.
ليس المطلوب أن يتبنى الإعلام كل شكوى، وإنما أن يستمع إليها ويفحصها ويتحقق منها، ثم ينشر ما تثبته الوقائع.
وهذا تحديداً هو الفارق بين الإعلام المهني والإعلام الدعائي.
الأول يقول للمسؤول: هناك مشكلة، وهذه أسبابها، وهذه آثارها، وهذه آراء المتضررين، وهذه إجابة الجهة المعنية.
أما الثاني فيكتفي بالقول: كل شيء على ما يرام.
أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام بالدولة هو أن يجعلها لا ترى أخطاءها
التجارب الدولية في بناء المؤسسات والتنمية تقدم درساً مهماً: التنمية لا تحتاج فقط إلى حكومات قوية، وإنما إلى مؤسسات خاضعة للمساءلة، وإلى تدفق للمعلومات، وإلى مجتمع يستطيع التعبير عن مشكلاته ومناقشة السياسات العامة.
وتشير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية إلى أن المؤسسات الفعالة والشاملة والخاضعة للمساءلة تحتاج إلى آليات للرقابة والتوازن، وإلى مجتمع مدني حيوي وإعلام حر. كما تربط المنظمة بين الإعلام المتنوع والمستقل وبين حماية المصلحة العامة ومساءلة الجهات الحكومية وغير الحكومية.
وهذا لا يعني أن كل إعلام مستقل ناجح بالضرورة، أو أن كل نقد صحيح، أو أن الإعلام لا يمكن أن يخطئ. فالإعلام نفسه يجب أن يخضع للمعايير المهنية، وأن يميز بين الخبر والرأي، وأن يتحقق من المعلومات، وأن يمنح حق الرد، وألا يتحول إلى أداة للتشهير أو التحريض أو تصفية الحسابات.
فالاستقلالية لا تعني الفوضى، والجرأة لا تعني التهور، والوطنية لا تعني التصفيق.
*من يصفق دائماً لا يساعد على التطوير
قد يكون من السهل على أي وسيلة إعلامية أن تحتفي بكل قرار، وأن تبحث في كل خطوة عن عبارة مديح، وأن تقدم المسؤول دائماً بصورة لا تشوبها شائبة.
لكن هذا النوع من الإعلام يحرم المسؤول نفسه من واحدة من أهم وسائل اكتشاف الخلل.
أما الإعلام الذي يسأل: ماذا سيحدث لهذا القرار؟ من سيتأثر به؟ هل جرى الاستماع إلى أصحاب المصلحة؟ هل توجد بدائل؟ ماذا تقول الأرقام؟ وهل تحققت النتائج المعلنة؟ فهو إعلام يساهم في صناعة سياسة عامة أفضل.
ومن هنا، فإن الإعلام الوطني ليس مطلوباً منه أن يكون مع الحكومة أو ضد الحكومة؛ بل أن يكون مع المصلحة العامة.
قد يؤيد قراراً عندما يرى فيه منفعة للناس، وقد ينتقد قراراً آخر عندما تكشف الوقائع أضراره. وقد يشيد بإنجاز لمسؤول، ثم ينتقد أداءه في ملف آخر. وهذه ليست ازدواجية، بل هي جوهر العمل الصحفي.
*الدولة التي تستمع أقوى
في الدول التي استطاعت بناء مؤسسات حديثة واقتصادات متقدمة، لم يكن التطور نتيجة غياب النقد، بل ارتبط في كثير من الحالات بوجود مؤسسات وآليات تسمح بكشف المشكلات ومساءلة أصحاب القرار وتصحيح السياسات.
وتشير اليونسكو إلى أن الصحافة عالية الجودة ترتبط بالمساءلة السياسية والتنمية المستدامة، وأن الصحافة المهنية القائمة على الحقائق تؤدي وظيفة عامة في تزويد المواطنين بالمعلومات ومراقبة أصحاب السلطة.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن نطرحه ليس: هل ينتقد الإعلام الدولة؟
بل: هل يساعد الإعلام الدولة على معرفة ما يحدث داخلها؟
هل ينقل لها نبض المجتمع؟
هل يكشف مواطن الخلل قبل أن تتحول إلى أزمات؟
هل يلفت الانتباه إلى آثار القرارات؟
هل يمنح المواطن مساحة عادلة للتعبير؟
وهل يضع المسؤول أمام الحقائق، حتى عندما تكون هذه الحقائق غير مريحة؟
إذا كان يفعل ذلك بمهنية ومسؤولية، فهو لا يقوض دعائم الدولة، وإنما يساهم في ترسيخها.
أما الدولة التي لا يصل إليها إلا المديح، ولا تسمع إلا الأخبار الجيدة، ولا ترى في الإعلام سوى منبر للاحتفاء بالقرارات، فقد تبدو قوية على الشاشة، لكنها قد تكون أقل قدرة على اكتشاف نقاط ضعفها وتصحيحها.
إن الإعلام الوطني الحقيقي ليس الذي يقول للسلطة دائماً إنها على حق، وإنما الذي يساعدها على أن تكون على حق.
ولذلك، فإن حماية الدولة لا تكون بإسكات النقد، بل بتحويل النقد المهني إلى فرصة للإصلاح؛ ولا تكون بتجاهل شكاوى الناس، بل بجعلها جزءاً من عملية صنع القرار؛ ولا تكون بالتغني بكل قرار، بل بقياس نتائجه على حياة المواطنين والاقتصاد والإنتاج.
فحين يكون الإعلام عيناً ترى، وأذناً تسمع، وصوتاً ينقل الحقيقة بمسؤولية، وجسراً يصل المواطن بصاحب القرار، يصبح جزءاً من قوة الدولة لا عبئاً عليها.
الدولة التي تسمع النقد تستطيع أن تصحح أخطاءها، والدولة التي تصحح أخطاءها تستطيع أن تتقدم. ومن هنا تبدأ العلاقة الصحيحة بين الإعلام الوطني والدولة
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

