آخر الأخبار
الرئيسية » السياحة و التاريخ » الحاج فاروق محمد بهلوان… شيخ الكار الذي يعيد إحياء أمجاد صناعة السفن الخشبية في جزيرة أرواد

الحاج فاروق محمد بهلوان… شيخ الكار الذي يعيد إحياء أمجاد صناعة السفن الخشبية في جزيرة أرواد

متابعة:هيثم يحيى محمد

 

 

منذ عام 1992، لم تشهد جزيرة أرواد بناءَ لنشٍ خشبيّ يتجاوز طوله 25 مترًا، وفق ما تؤكده “صفحة أهالي وعائلات جزيرة أرواد” في منشور عبر صفحتها لتعود اليوم هذه الحرفة البحرية العريقة إلى الواجهة، وتكتب فصلًا جديدًا من تاريخها، على أيدي أحد أبناء الجزيرة الذين توارثوا أسرار المهنة جيلًا بعد جيل، وحملوا في خبراتهم خلاصة عقود طويلة من العمل والإبداع.

وتتابع الصفحة مشكورة : من منّا لا يعرف هذا الرجل الذي ارتبط اسمه بإحدى أدقّ الحرف التي اشتهرت بها جزيرة أرواد؟

إنه الحاج فاروق محمد بهلوان… حين تتحوّل الخبرة إلى إبداع، ويتحوّل الخشب بين أيدي الحرفي الماهر إلى حكاية بحرية تختزن تاريخ الجزيرة وأمجادها.

حين يُذكر الإتقان، تحضر أسماء الرجال الذين جعلوا منه عنوانًا لمسيرتهم المهنية، والحاج فاروق واحدٌ من هؤلاء؛ فهو ليس مجرد حرفيّ أتقن صناعة السفن الخشبية، بل هو امتدادٌ لأمجاد جيل عريق، ورث أسرار المهنة وأصولها عن والده الحاج محمد إبراهيم بهلوان، أطال الله في عمره، عن جده المرحوم إبراهيم بهلوان، رحمه الله تعالى.

لم يجلس الحاج فاروق على مقاعد الأكاديميات، ولم يحمل شهادات الهندسة الورقية، لكنه تخرّج في جامعة الممارسة والخبرة، وتعلّم من الخشب والبحر وأدوات المهنة ما لا تمنحه الكتب وحدها. فكانت يداه كريشة فنان، تنحت الخشب وتشكّله، وكأنها ترسم لوحة فنية متكاملة، لا تقتصر قيمتها على جمالها، بل تتجلّى أيضًا في متانتها وقدرتها على مواجهة الأمواج وقطع المسافات.

إنه بحقّ «شيخ الكار»، الذي حفر اسمه بماء الذهب في ذاكرة صناعة السفن، مستندًا إلى مسيرة مهنية امتدت لأكثر من أربعة عقود، أنجز خلالها مجموعة كبيرة ومتنوعة من المراكب التي أبحرت في البحار، ولا تزال حتى يومنا هذا شاهدًا حيًّا على جودة صنعته ومتانة أعماله، وكأنها خرجت من ورش البناء قبل ثلاثين عامًا.

ولم تقتصر شهرة هذه الحرفة، ولا سمعة الحاج فاروق وخبرته، على جزيرة أرواد وأهلها، بل تجاوزتهما إلى خارج الجزيرة، حيث قصده حرفيون وأصحاب مراكب للاستفادة من خبرته في صناعة المراكب الخشبية. وهي شهادة تعبّر عن المكانة التي يبلغها الحرفي حين تجتمع لديه المهارة المتراكمة، والمعرفة الدقيقة بأسرار المهنة، والأمانة والإخلاص في العمل.

واليوم، يعود اسم الحاج فاروق محمد بهلوان إلى الواجهة من جديد، من خلال مشروع يحمل دلالة خاصة في تاريخ الصناعة البحرية الأروادية؛ إذ يعمل على بناء لنش خشبي يتجاوز طوله 25 مترًا، في خطوة تعيد إلى الذاكرة حرفةً غابت عن ورش أرواد منذ عام 1992.

وليس هذا المشروع مجرد عملية بناء لمركب خشبي كبير، بل هو استعادة لخبرة متوارثة، وتجسيد لقدرة الحرفي الأروادي على مواصلة العطاء، وتأكيد أن هذه الصناعة العريقة لا تزال قادرة على الحياة ما دامت هناك أيادٍ تتقنها، وعقول تحفظ أسرارها، وإرادة تؤمن بقيمتها وأهميتها.

ووفقًا للمخطط، من المقرر أن يتحوّل هذا اللنش إلى يخت يجوب البحار ويقطع المسافات، حاملًا معه اسم صانعه، واسم جزيرة أرواد التي نشأ فيها وترعرعت على شواطئها حكايات البحر، وبين ورشها الخشبية تبلورت خبرات صناعة المراكب التي شكّلت جزءًا أصيلًا من هويتها وتاريخها.

وتختم الصفحة منشورها بالقول:
ولأن الحديث عن الحرفة الأروادية لا يكتمل باسم واحد، فإننا نتوجّه بالتحية والتقدير إلى الحاج فاروق محمد بهلوان، وإلى والده وأجداده الذين أسهموا في توريث هذه الخبرة وصونها، وإلى جميع نجّاري وحرفيّي عائلة بهلوان الكرام، وإلى كل نجّار وحرفي أروادي بذل جهده، ووضع خبرته، وسخّر مهارته في سبيل الحفاظ على هذه الصناعة العريقة. فلكلّ منهم بصمته الخاصة، ولكلّ يدٍ مخلصة مكانتها، وبجهودهم جميعًا يستمر هذا الإرث وتبقى له قيمته.

*الحفاظ على صناعة السفن الخشبية في أرواد ..مسؤولية مشتركة

ونحن نقول : إنّ الوفاء الحقيقي لهؤلاء الحرفيين لا يكتمل بالثناء على إنجازاتهم وتخليد أسمائهم فحسب، بل يبدأ أيضًا بالعمل على حماية مهنتهم من الاندثار، وضمان انتقالها إلى الأجيال القادمة.

فصناعة السفن الخشبية في جزيرة أرواد ليست مجرد حرفة تقليدية، بل هي جزء من ذاكرة الجزيرة وهويتها البحرية، وخلاصة معرفة تراكمت عبر الأجيال، واختُبرت تفاصيلها في الورش وعلى الشواطئ وفي مواجهة البحر. وهي معرفة لا يمكن تعويضها بسهولة إذا ضاعت، ولا تكفي الكتب والصور وحدها لحفظها؛ لأن كثيرًا من أسرارها يسكن في أيدي الحرفيين، وفي خبراتهم العملية، وفي قدرتهم على اختيار الخشب وتشكيله، وتقدير المقاسات، وإتقان التفاصيل التي لا تُكتسب إلا بطول الممارسة والتعلّم المباشر.

ومن هنا، تبرز ضرورة الاهتمام بهذه الحرفة، وتشجيع الشباب على تعلّمها وممارستها، وإيجاد السبل التي تتيح لهم اكتساب أسرارها على أيدي أصحاب الخبرة، إلى جانب توثيق مراحل العمل وأساليبه، وتوفير الظروف التي تساعد على استمرار هذه الصناعة وتطوّرها.

فالحرفي الذي أفنى عمره في تعلّم المهنة وإتقانها يحمل في ذاكرته وخبرته ثروةً لا تُقدّر بثمن، وإذا رحل من دون أن ينقلها إلى من بعده، فقد ترحل معه تفاصيل ومعارف يصعب استعادتها. وما بين أيدينا اليوم من خبرات رجال مثل الحاج فاروق محمد بهلوان وأمثاله من حرفيي أرواد هو أمانة تستحق أن نحافظ عليها، لا مجرد صفحات من الماضي نستعيدها بالفخر والحنين.

إن الحفاظ على صناعة السفن الخشبية في أرواد مسؤولية مشتركة، تبدأ بتقدير صنّاعها، وتمتد إلى دعمهم، وتنتهي بضمان أن يجد هذا الإرث أيديًا شابة تتسلّمه وتواصل مسيرته. فليس المطلوب أن تبقى هذه الحرفة حكايةً يرويها الآباء والأجداد، بل أن تظل صناعةً حيّة تنبض في ورش الجزيرة، وتُبحر سفنها في البحار، وتحمل إلى المستقبل اسم أرواد وتاريخها.

فما أجمل أن نحتفي اليوم بمن أتقنوا هذه الصناعة، وأن نعمل في الوقت نفسه على ألا يأتي يوم نفتّش فيه عن أسرارها فلا نجد من يعرفها، أو عن ورشها فلا نجد فيها من يمارسها.

تحيةً لكل يدٍ أروادية صنعت من الخشب مركبًا، ومن الخبرة إبداعًا، ومن المهنة إرثًا للأجيال. ولتبقَ صناعة السفن الخشبية في أرواد حيّةً لا تندثر، تنتقل من الآباء إلى الأبناء، ومن جيلٍ إلى جيل، ما دام في الجزيرة من يعشق البحر، ويحفظ حكاياته، ويعرف كيف يصنع للموج سفينة.

 

 

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

محافظة دمشق تنقل نصب القائد صلاح الدين الأيوبي للصيانة وتعد بإعادته إلى موقع مناسب

  دمشق – سليمان خليل   باشرت مديرية دمشق القديمة في محافظة دمشق إجراءات نقل النصب الفني للقائد صلاح الدين الأيوبي من موقعه الحالي أمام ...