كتب محمد خير الوادي
يبدو ان الصينيين قد درسوا بعناية ودقة – قبيل القمة – شخصية الرئيس ترامب ، وحللوا مواقفه كلها ،بهدف استنباط وسائل للتأثير عليه . واكاد اجزم ، انهم قد نجحوا جزئيا من فك كلمة السر والولوج الى عالم ترامب . ويمكن اختصار كلمة السر تلك بجملتين : حب الظهور وحضور الانا ، وحرص ترامب على تقديم نفسه صانعا للسلام . ومن اجل اشباع نزعة الانا المتضخمة عند الرئيس ترامب، بالغت القيادة الصينية في تنظيم حفل استقبال وترحيب فريد للضيف الامريكي ، ترافق بحفاوة لافتة ، كمقدمة لمداعبة الركيزة الثانية في شخصية ترامب ، وهي حرصه على الظهور كصانع للسلام .
وقد اختارت بكين مدخلا ذكيا لفعل ذلك ، وهو الطرح السلس للمسألة التايوانية . فقد تولى الرئيس شي ذلك ،عبر استحضاره لمقولة قديمة من الفلسفة اليونانية تسمى فخ ثوسيديدس . يتلخص مضمون تلك المقولة بما يلي: عندما تهدد قوة صاعدة ( الصين ) بازاحة قوة مهيمنة ( امريكا ) ،فستكون النتيجة الحتمية ، نشوب الحرب بينهما .
وقد نصح الرئيس الصيني زميله الامريكي ، بالعمل المشترك لادارة الخلافات بين الدولتين العظميين ، والوصول الى صيغ عملية تحول دون الوقوع في هذا الفخ ، وتمنع حتمية الحرب بينهما ، وتسهم في توجيه الجهود من حقل الصراع ،الى مجالات سلمية من الشراكة والتعاون . و أعتقد ، ان خلفية هذا الاقتراح تقوم على افتراض ، انه اذا قبل ترامب بهذا العرض الصيني ، فان صورته كصانع سلام ستتعزز في العالم . وحسب الرئيس شي ، فان المشكلة الملتهبة والتي تسمم العلاقات الامريكية الصينية ،والتي يمكن ان توقع البلدين في فخ ثوسيديدس، تتجلى في دعم واشنطن ، للنزعة الانفصالية لحكومة تايوان ، وصولا الى تحقيق استقلالها ،وتخريب السلام في مضيق تايوان .وحذر شي قائلا:” ان سوء التعامل مع هذا الملف، قد يقود الى صدامات ونزاعات ، وانه يستحيل الجمع بين استقلال تايوان والسلام”
بكلمات اخرى ، فقد ربط شي – بشكل غر مباشر – مستقبل العلاقات بين الصين وامريكا ،بتراجع الولايات المتحدة عن دعمها للحكومة التايوانية .وواصل الرئيس شي جهوده هذه في الاتجاه نفسه ،عندما وجه للرئيس ترامب سؤالا مباشرا وخارجا عن المألوف : هل ستدخلون الحرب ضدنا اذا هاجمنا تايوان ؟ وقد بهت ترامب من السؤال ، ولم يجد جوابا سوى التزام الصمت .كما تم الايحاء لاحد الصحفيين ، بالقاء سؤال مماثل على الرئيس ترامب . لكن الرئيس الامريكي تجاهل السؤال تماما ،وهو امر خلق انطباعا ، حول بداية تغيير في السياسة الامريكية ازاء تايوان . ولم يتوقف ترامب عند التهرب من الاسئلة المحرجة ،التي وجهت اليه بخصوص تايوان ، بل ذهب الى ابعد من ذلك ، عندما هاجم – في تصريح لاحق – حكام تايوان ،وطالبهم بعدم السعي الى جر الولايات المتحدة لحرب مع الصين ، من اجل استقلال الجزيرة ،وطالب الحكومة التايوانية بتهدئة الامور وعدم التصعيد . لكن القنبلة الاكبر التي فجرها ترامب بهذا الخصوص ،تجلت في اعلانه ، انه حتى الان، لم يوافق على صفقة الاسلحة التي طلبتها تايوان من امريكا بمبلغ 14 مليار دولار ، وانه يدرس الموضوع ، وهو موقف مستجد ادخل صفقة الاسلحة كلها في دائرة الغموض وعدم اليقين .هذا التحول في موقف ترامب ، احدث هزة عنيفة في الكونغرس الامريكي ، ونزل كالصاعقة على حلفاء امريكا في آسيا كلها لا سيما في تايوان ، التي سارعت حكومتها للقول، ان تايوان دولة مستقلة وموجودة على ارض الواقع ، وان صفقة السلاح هي جزء من الالتزام الامريكي بأمن تايوان . وهناك من يشبه موقف ترامب هذا بموقفه من اوكرانيا .على كل حال ،ستتضح الامور خلال الايام القادمة ، ولكن كلمات ترامب هذه ، تعني ـ ان اياما سوداء تنتنظر حكام تايبيه.
لا ادري ماهو تأثير تصريحات ترامب على العلاقات الامريكية الصينية . ولكن ، ان حدث ونفذ ترامب اقواله هذه وتراجع عن دعم تايوان ، فان ذلك سيغير الصورة السياسية كلها في جنوب شرقي آسيا لصالح الصين .وبذلك يكون الرئيس الامريكي قد تفادى الوقوع في فخ ثوسيديدس ، ولكنه – امام حلفائه – يمكن ان يهوي في فخ قاتل آخر ، سيضعف نفوذ امريكا ويقلص دورها في جنوب شرقي آسيا .
وبغية احتواء هذا الامر ، سارع وزير الخارجية الامريكي الى التأكيد ، ان مواقف امريكا تجاه تايوان لم تتغير ، وان الغموض الذي اضفاه الرئيس ترامب بتصريحاته ، هو جزء من حالة الغموض المقصود ،الذي تلتزم به الادارة الامريكية ازاء المشكلة التايوانية .
لقد غطت مواقف ترامب هذه ،على معظم نتائج الزيارة التي قام بها الى الصين . والمشكلة الاهم بهذا الخصوص ، ان واشنطن اعلنت عن صفقات ضخمة ستعقدها الصين لشراء 200 طائرة بوينغ ، واستيراد منتجات زراعية ، وابتياع النفط الامريكي ، لكنه حتى الآن لم يصدر تأكيد رسمي بذلك من جانب بكين .
ملاحظة اخرى حول الزيارة ، تجلت في طريقة تعامل ترامب مع قادة الصين . فترامب ،الذي اذل قادة اوربا واليابان وكندا وامريكا اللاتينة واوستراليا ، بالتعجرف عليهم وعدم الالتزام بابسط قواعد البروتوكول اثناء اللقاءات معهم . اتبع سلوكا مغايرا تماما في بكين . فقد اختفت ملامح الجلافة والتنمر من تعامله مع قادة الصين ، و بدا لطيفا ،ودودا مع مستقبليه ،ووصل الامر الى كيل المديح للرئيس شي ، والتعبيرعن مشاعر فخره بالصداقة والعمل المشترك معه . لا ادري ، هل حدث هذا التغيير بفعل فخامة الاستقبال ، ام لأن ترامب وجد امامه شخصية قوية مثل الرئيس شي؟
واختم بالقول ، ان مجرد حدوث تلك الزيارة الى الصين ، يعتبر حدثا هاما ، لانه وفر الفرصة لقادة دولتين عظميين ، تتحكمان بمصير الاحداث العالمية ،لمناقشة اعقد القضايا الساخنة وجها لوجه وفي اجواء ودية . وهذا افضل من الصدام ، وجر العالم الى افخاخ الحروب المدمرة .
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
