آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » رجل امام الدبابات… حكاية الصورة التي أنتصرت على الصين(القصة 3)

رجل امام الدبابات… حكاية الصورة التي أنتصرت على الصين(القصة 3)

 

بقلم: علي نفنوف

دبي

 

في ربيع عام 1989، لم تكن بكين تعرف ان شوارعها ستدخل التاريخ من بوابة صورة.

بدأت الحكاية مع طلاب تجمعوا في العاصمة الصينية مطالبين باصلاحات سياسية، ومزيد من الحريات، ومواجهة الفساد، وحرية اكبر في التعبير. ومع اتساع الاحتجاجات، لم تعد الحركة شأنا طلابيا فقط، بل انضم اليها مواطنون من شرائح مختلفة، وتحولت ساحة تيانانمن الى مركز ضخم للاحتجاج.

كان المشهد في بدايته اقرب الى حلم جماعي: آلاف الطلاب في الساحة، الخطب، النقاشات، اللافتات، والاصرار على ان الاصلاح ممكن.

لكن السلطة قرأت المشهد بطريقة اخرى.

ومع اتساع الاحتجاجات، بدأ الخوف من خروجها عن السيطرة. وفي 20 ايار اعلنت الحكومة الاحكام العرفية في بكين، ثم بدأت القوات العسكرية التحرك نحو العاصمة. وفي ليلة الثالث من حزيران دخل الجيش الى المدينة، مستخدما الاسلحة النارية والدبابات لقمع المحتجين.

في الرابع من حزيران بلغت عملية القمع ذروتها، وسقط عدد كبير من القتلى والجرحى، لكن العدد الدقيق للضحايا ظل موضع خلاف، خصوصا في ظل غياب حصيلة رسمية موثوقة، والرقابة التي فرضتها السلطات لاحقا على الحديث عن تلك الاحداث.

كانت بكين في تلك الساعات مدينة يغطيها الدخان والخوف.

لكن بين البنادق والدبابات كان هناك رجال يحملون سلاحا مختلفا.

الكاميرا.

 

*المصور الذي كان يبحث عن الحقيقة

 

كان المصور الاميركي جيف ويدنر يعمل في بكين لصالح وكالة اسوشيتد برس.

لم يكن يعرف ان احدى الصور التي سيلتقطها هناك ستصبح لاحقا واحدة من اشهر الصور في تاريخ الصحافة.

في ليلة القمع، كان ويدنر وسط الفوضى. اصوات الرصاص، الحافلات المحترقة، الناس الهاربون، والجنود المنتشرون في الشوارع.

اصيب في رأسه بحجر، وتحطمت احدى كاميراته، وكان يعاني ايضا من الانفلونزا، لكنه عاد في اليوم التالي الى عمله.

كان يعرف ان ما يحدث في بكين ليس خبرا عاديا.

كان التاريخ يتحرك امامه، وكان عليه ان يصوره.

في الخامس من حزيران كلف بتغطية تحرك الدبابات.

وكان عليه ان يجد مكانا مرتفعا يمكنه من رؤية الشارع.

وصل الى فندق بكين، وهو مبنى مرتفع يطل على شارع تشانغآن، ومن هناك وجد زاوية مناسبة لمراقبة رتل الدبابات.

لكن كانت هناك مشكلة صغيرة قد تفسد كل شيء:

الفيلم نفد.

وفي الصحافة، قد تكون لفة الفيلم الاخيرة اهم من كل ما تملك.

ساعده طالب اميركي يدعى كيرك مارتسن، وتمكن من الحصول على فيلم جديد. حمل ويدنر الكاميرا، وانتظر.

كان ينتظر الدبابات.

لكنه لم يكن ينتظر الرجل الذي سيجعل الدبابات نفسها تبدو صغيرة.

الرجل الذي خرج من العدم

ظهر رتل من الدبابات في شارع تشانغآن.

اربعة دبابات تتحرك في خط واحد.

وفجأة ظهر رجل.

لم يكن يرتدي زيا عسكريا.

لم يحمل سلاحا.

كان يرتدي قميصا ابيض وبنطالا داكنا، ويحمل كيسين للتسوق.

ثم فعل شيئا لا يبدو منطقيا امام اربعة دبابات:

وقف في منتصف الطريق.

اقتربت الدبابة الاولى.

توقفت.

حاولت الالتفاف حوله.

تحرك الرجل معها.

عادت الدبابة الى الاتجاه الاخر.

فعاد الرجل ايضا ليغلق الطريق.

لم يكن يملك شيئا سوى جسده.

وكان جسده في تلك اللحظة يقول ما تعجز الخطب عن قوله:

لن تمروا.

ثم صعد الرجل الى مقدمة الدبابة وتحدث مع احد افراد طاقمها، قبل ان يتدخل اشخاص اخرون ويبعدوه عن الطريق.

ومنذ تلك اللحظة اختفى.

لم يعرف العالم اسمه على نحو مؤكد.

ولم يعرف ماذا حدث له.

لكن المصور عرف انه امام لحظة لا تتكرر.

رفع ويدنر الكاميرا.

وضغط الزر.

ثم مرة اخرى.

وكانت احدى اللقطات هي الصورة التي ستصبح لاحقا رمزا عالميا للمقاومة.

من نافذة الفندق الى العالم

لم تكن الصورة وحدها هي التحدي.

كان هناك شيء اخطر:

كيف تخرج الصورة من الصين؟

كان الفيلم دليلا بصريا على ما يحدث، والصحفيون الاجانب كانوا تحت المراقبة والضغط.

وبمساعدة اشخاص غربيين في الفندق، تمكن ويدنر من نقل الفيلم الى مكتب وكالة اسوشيتد برس داخل المجمع الدبلوماسي الاميركي، ومن هناك ارسلت الصورة الى مكاتب الوكالة في الخارج.

وهنا بدأت الصورة رحلة اخرى.

من شارع في بكين الى غرفة اخبار.

ومن غرفة اخبار الى وكالة دولية.

ومن الوكالة الى الصحف.

ومن الصحف الى العالم.

لكن ويدنر لم يكن المصور الوحيد الذي عرف قيمة اللحظة.

المصور تشارلي كول، الذي كان يعمل لصالح مجلة نيوزويك، التقط صورة اخرى للرجل نفسه. وعندما داهمت قوات الامن الفندق، اخفى الفيلم غير المحمض داخل خزان المرحاض في غرفته، حتى لا يقع في ايديهم.

انتظر حتى غادر رجال الامن، ثم استعاد الفيلم وارسل مادته الى نيوزويك.

اما المصور ستيوارت فرانكلين، فكان في المكان ايضا، وتمكن من اخراج فيلمه من الصين بمساعدة طالب فرنسي اخفاه داخل علبة شاي.

كان الصحفيون يخوضون معركة من نوع اخر:

لم تعد المسألة كيف نلتقط الصورة.

بل:

كيف نخرج بها قبل ان تختفي؟

الصورة التي وصلت قبل ان تصل الكلمات

انتشرت الصورة بسرعة في وسائل الاعلام العالمية.

لم يكن العالم يعرف اسم الرجل، ولا عمره، ولا مهنته، ولا دوافعه، ولا مصيره.

لكنه رأى شيئا واحدا لا يحتاج الى ترجمة:

رجل اعزل يقف امام الدبابات.

وهنا حدث انقلاب بصري غريب.

الدبابات التي يفترض ان تمثل القوة بدت في الصورة مترددة.

والرجل الذي يفترض ان يكون اضعف عناصر المشهد بدا اكثر ثباتا منها.

لم تكن الصورة تحتاج الى تعليق طويل.

لقد شرحت نفسها.

لكن الصورة لم تكن بلا ثمن

المصورون الذين وثقوا الاحداث لم يعملوا في ظروف امنة. كانوا عرضة للضرب والاعتقال والملاحقة.

وويدنر نفسه ظل يتحدث عن تلك الايام بوصفها تجربة قاسية، وعن الخوف الذي عاشه وهو يشاهد الدبابات والرجل امامه.

وهنا ظهر السؤال الاخلاقي نفسه الذي ظهر لاحقا في صور الحروب والمجاعات:

هل يظل المصور خلف الكاميرا عندما يكون الانسان امامه في خطر؟

لكن ويدنر لم يكن قادرا على الوصول الى الرجل من مكانه. كان بعيدا داخل الفندق، وكل ما يستطيع فعله هو ان يوثق.

وفي تلك اللحظة كان يعرف شيئا واحدا:

اذا اختفت الصورة، فقد تختفي معها شهادة لا يمكن تكرارها.

مكافآت الصورة

لم يفز جيف ويدنر بجائزة بوليتزر عن هذه الصورة، رغم ترشيحه لها.

اما تشارلي كول، الذي التقط صورة اخرى للمشهد نفسه، فقد حصل على جائزة World Press Photo of the Year عام 1990.

كما اكتسبت صور الرجل امام الدبابات شهرة عالمية هائلة، واختيرت صورة ويدنر ضمن الصور الاكثر تأثيرا في التاريخ.

لكن الجائزة الحقيقية كانت اكبر من كل الجوائز:

ان الصورة بقيت.

ماذا حققت الصورة؟

هنا يجب ان نكون دقيقين.

الصورة لم توقف القمع.

لم تسقط النظام.

لم تنه الاحتجاجات.

ولم تجبر الحكومة الصينية على التراجع.

لكنها حققت شيئا بالغ الاهمية:

كسرت احتكار السلطة للرواية.

كان يمكن ان تبقى احداث تيانانمن خبرا سياسيا عابرا، لكن الصورة جعلتها ذاكرة عالمية.

اصبح العالم يرى ما حدث من خلال رجل مجهول يقف امام الدبابات.

وفي داخل الصين، بقيت الصورة نفسها موضوعا للرقابة، كما بقي الحديث عن احداث تيانانمن مقيدا بشدة.

وهنا تظهر المفارقة:

السلطة استطاعت السيطرة على الساحة.

لكنها لم تستطع السيطرة على الصورة التي خرجت من الساحة.

والرجل؟

ربما كان هذا هو السر الاكبر في قوة الصورة.

لا احد يعرف على نحو مؤكد من كان الرجل.

ظهرت اسماء وتكهنات كثيرة، لكن لم يثبت بشكل قاطع شيء عن هويته او مصيره.

وبذلك لم يعد الرجل شخصا بعينه.

اصبح رمزا.

كل انسان يستطيع ان يرى نفسه فيه.

حين انتصرت الصورة على الدبابة

عبرت الدبابات في النهاية.

انتهت المواجهة.

وبقي النظام.

لكن الصورة لم تختف.

وهنا تكمن قوة التصوير الفوتوغرافي.

الصورة لا توقف الرصاصة دائما، ولا تمنع الدبابة من التقدم، لكنها تستطيع ان تمنع السلطة من كتابة التاريخ وحدها.

وبقي جيف ويدنر، المصور الذي كان خلف نافذة الفندق، شاهدا على لحظة لم يكن يعرف انها ستعيش اطول من الحدث نفسه.

لقد ضغط على زر الكاميرا.

فلم يوقف الدبابات.

لكنه اوقف اللحظة.

والدبابات عبرت…

اما اللحظة، فلم تعبر.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين تتبادل الكتب ما تعجز الكلمات عن قوله

بقلم: د. عبير خالد يحيى     كان لي بالأمس في المركز الثقافي العربي بطرطوس لقاء ثقافي جميل مع الدكتور والمترجم إبراهيم إستنبولي، في لحظة ...