الرئيسية » كلمة حرة » هل سيفور التنور؟

هل سيفور التنور؟

مالك صقور

 

 

يعلم المقربون والمحيطون بي، حتى طلابي وتلامذتي، أني طلّقتُ السياسة منذ زمن بعيد، وبعيد جداً، ليس لأني فشلت في السياسة فحسب، بل لأني فُجعت بالرفاق الذين كنت أثق بهم ثقة مطلقة. وأنا، كما يعلم كل من يعرفني، أنني متسامح… لكن لن أنسى.

وعدت إلى هوايتي القديمة، وهي القراءة، وأحياناً الكتابة… لكن جاء جوهر وبصحبته ملهوف وحنظلة. وقال: أتعتقد إذا أدرت ظهرك للسياسة والسياسيين، وغرقت في أوراقك وكتبك، أنك تنأى بنفسك حتى عن الأخبار؟ فهذا لا يعفيك ولن يعفيك، وأنت الذي ترجمت لنا المثل البولوني القائل: «عدم عملك بالسياسة هو سياسة»… ثم كم مرة رددت قول الأديب رئيف خوري: «لا يوجد أدب بلا سياسة، ولكن هناك سياسات بلا أدب».

قلت: أنا مقتنع بالذي أنا فيه، وأنا متصالح مع نفسي، وما عدت أريد شيئاً.

فاحتج حنظلة وأدار ظهره، وهو ما زال معفّراً بتراب الضفة ومغتاظاً من أخبار الانتخابات، وقال ملهوف، الذي يبقى اسماً على مسمّى: أوروبا تقوم ولا تقعد، والمظاهرات تجتاح المدن الأوروبية، وكأنها ثورة شباب.

أما جوهر فقال بهدوء: التلفزيون الإيراني يحذّر الشعب من ضربة نووية، ويعلّم كيف تتم الوقاية من الإشعاعات النووية.

عندئذ، لا أعرف لماذا تذكرت الآية الكريمة: {حَتّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}.

قلت لهم: هذه صورة قرآنية مهيبة ارتبطت ببداية الطوفان، والطوفان الذي غيّر مجرى تاريخ الكرة الأرضية. أقول تذكرت الآية، ولا أعرف إن كان من الصواب أن نُسقط الآية على أحداث عصرنا الراهن، لكن في التعبير القرآني صورة أدبية بالغة الدلالة يمكن أن نستحضرها ونحن نراقب هذا العالم الذي تتراكم فيه أسباب الانفجار.

فالذي نقلتموه لي ليس مجرد أخبار عابرة، أو تصريحات سياسية للاستهلاك الإعلامي، بل مقدمات لمرحلة قد تحمل من المفاجآت ما لا تُحسب نتائجه. ففي هذه الأيام يبدو المشهد الدولي مثقلاً بالخوف والقلق، حتى الرعب، من التهديدات المتبادلة بين واشنطن وتل أبيب من جهة، وطهران من جهة أخرى. واستعدادات عسكرية، وتحذيرات جادة من اتساع رقعة المواجهة.

وهنا لا بد من التوقف قليلاً: فحين تبدأ دولة بتعليم مواطنيها كيف يتصرفون إذا تعرضت بلادهم لضربات نووية، فإن مجرد هذا المشهد يكشف حجم المخاوف والذعر الذي يحاصر هذه البلاد، بغض النظر عن احتمال هذه الضربة أم لا.

وفي المقابل، تتصاعد أصوات الاحتجاج في شوارع أوروبا: بعضها يرفض الحروب والتسلح وإرسال الأسلحة إلى أوكرانيا وإسرائيل، وبعضها يطالب بإصلاحات اقتصادية واجتماعية، وبعض هذه الاحتجاجات تطالب بالعودة إلى الاشتراكية الديمقراطية، ولكن ليس على الطريقة السوفييتية. وها هو ذا العالم، على اختلاف لغاته وثقافاته، بدأ يطرح سؤالاً: إلى أين نحن ذاهبون؟!

وسط هذا المشهد العالمي، عادت إلى ذاكرتي هذه الآية: {حَتّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ}.. فهل نحن أمام تنور سياسي عسكري يغلي وسيفور؟! وهل يدرك أصحاب القرار أن النار حين تتجاوز حدود السيطرة لا ولن تميّز بين من أشعلها ومن احترق بها؟! ولا سيما إذا اقترب شبح السلاح النووي منها. وذلك ليس لعبة تصريحات ولا استعراضاً للقوة، إنها احتمال كارثي لا يقف أثره عند حدود الدول المتحاربة، بل يمتد إلى الإنسان والبيئة والطبيعة والحياة برمتها.

إن القلق العام الآن ليس من تصريحات الدول وتهديداتها فحسب، بل مما يشعر به الناس وهم يتساءلون عن مستقبل أولادهم وأحفادهم، وعن حقهم الشرعي البسيط في العيش بسلام وأمن وأمان.

إن العالم اليوم لا يحتاج إلى الحروب وإلى مزيد من النار، بل هو بحاجة إلى رجال دولة يوقفون هذه الحروب، ويحكّمون العقل، وصوت العقل على ضجيج القنابل.

فهل ستُنفّذ هذه التهديدات وتندلع مواجهات جديدة كارثية، أم أن الدبلوماسية ستنتصر قبل فوات الأوان؟

ويبقى السؤال الذي يجب أن أطرحه، لا من باب التنبؤ بالغيب، بل من باب الخوف على مصير البشرية، على مصير الإنسان:

هل سيفور التنور حقاً؟ أم ما زال في وسع العقلاء أن يطفئوا النار قبل أن يغمر العالم طوفان جديد مختلف عن طوفان نوح، من دون سفينة

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انزياح حقيقي

مالك صقور     اسمع يا جوهر:   إذا وقف القلمُ حروناً في يدك هذه الأيام، (أم صرت كغيرك تستخدم الحاسوب واللابتوب في الكتابة، وتُجيد ...