قد تمتد تأثيرات التغذية في المراحل الأولى من العمر إلى ما هو أبعد من النمو الجسدي، لتشمل الصحة النفسية في مرحلة البلوغ. فقد كشفت دراسة بريطانية عن ارتباط محتمل بين التعرض لكميات أقل من السكر خلال الحمل والسنوات الأولى بعد الولادة، وانخفاض احتمالات الإصابة بالقلق والاكتئاب في مراحل لاحقة من الحياة.
واعتمدت الدراسة على تجربة تاريخية شهدتها بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية، عندما خضعت المواد الغذائية، ومنها السكر، لنظام تقنين استمر لسنوات، قبل أن تنتهي القيود في سبتمبر 1953.
تقنين السكر في بريطانيا يفتح باباً للبحث
خلال الحرب العالمية الثانية والسنوات التالية لها، فرضت السلطات البريطانية قيوداً على شراء السكر، وحددت الكميات التي يمكن للأسر الحصول عليها. ومع رفع نظام التقنين في سبتمبر 1953، ارتفع استهلاك السكر، وهو ما أتاح للباحثين فرصة نادرة لمقارنة تأثير التعرض لمستويات مختلفة منه خلال المراحل المبكرة من الحياة.
وفي دراسة نُشرت في مجلة “General Psychiatry”، حلل الباحثون بيانات 66,223 شخصاً من المشاركين في البنك الحيوي البريطاني (UK Biobank)، ممن وُلدوا خلال الفترة القريبة من انتهاء نظام التقنين.
واستند الفريق البحثي إلى تواريخ ميلاد المشاركين لتقدير مدى تعرضهم لقيود السكر خلال الحمل والطفولة المبكرة، ثم قارن هذه البيانات بالسجلات الصحية التي توثق حالتهم النفسية في مراحل لاحقة.
انخفاض احتمالات القلق والاكتئاب لدى المعرضين للتقنين
أظهرت النتائج أن الأشخاص الذين تعرضوا لقيود السكر خلال بداية حياتهم سجلوا احتمالات أقل للإصابة بالقلق بنسبة 17%، وبالاكتئاب بنسبة 14%، مقارنة بالأشخاص الذين لم تشملهم تلك القيود في المرحلة نفسها.
ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ تبين أن الارتباط كان أكثر وضوحاً لدى المشاركين الذين امتد تعرضهم للتقنين طوال الأيام الألف الأولى من حياتهم، وهي الفترة التي تشمل الحمل والسنتين الأوليين تقريباً بعد الولادة.
وفي هذه المجموعة، ارتبط التعرض المبكر لقيود السكر بانخفاض احتمالات الإصابة بالقلق بنحو 24%، والاكتئاب بنحو 21%، مقارنة بمن لم يتعرضوا للتقنين خلال تلك المرحلة.
كما لاحظ الباحثون أن قوة الارتباط ازدادت مع طول مدة التعرض لقيود السكر، ما يسلط الضوء على أهمية التغذية خلال المراحل الأولى من النمو، واحتمال امتداد تأثيراتها إلى الصحة النفسية مستقبلاً.
الأيام الألف الأولى ودورها في تشكيل الصحة النفسية
تُعد الأيام الألف الأولى من حياة الإنسان مرحلة محورية، إذ تشهد خلالها تطورات سريعة في الدماغ والجهاز العصبي، إلى جانب تشكل الأنظمة المسؤولة عن تنظيم استجابة الجسم للضغوط والتوتر.
ويرى الباحثون أن طبيعة التغذية خلال هذه الفترة قد تؤثر في عدد من العمليات الحيوية المرتبطة بالصحة النفسية، بما في ذلك نمو الدماغ ومستويات الالتهاب وآليات التعامل مع التوتر.
ورصدت الدراسة أيضاً اختلافاً في توقيت ظهور التشخيصات النفسية بين المجموعتين؛ إذ تأخر تسجيل أول تشخيص للقلق بنحو عامين، والاكتئاب بنحو أربعة أعوام لدى الأشخاص الذين تعرضوا لقيود السكر طوال الأيام الألف الأولى، مقارنة بمن لم يتعرضوا لها.
ومع ذلك، فإن التفسيرات المتعلقة بالالتهاب ونمو الدماغ وتنظيم التوتر تظل فرضيات محتملة تستند إلى أبحاث سابقة، ولم تُختبر بصورة مباشرة ضمن هذه الدراسة.
هل يقلل خفض السكر خلال الطفولة من خطر الاكتئاب؟
رغم النتائج اللافتة، لا تعني الدراسة أن تقليل السكر خلال الحمل أو الطفولة المبكرة يمنع الإصابة بالقلق والاكتئاب بشكل مؤكد، إذ إنها تكشف عن ارتباط إحصائي ولا تثبت وجود علاقة سببية مباشرة.
ومن أبرز القيود التي واجهت الباحثين عدم توافر سجلات غذائية فردية توضح الكميات الفعلية من السكر التي تناولتها الأمهات والأطفال، حيث جرى تقدير مستوى التعرض اعتماداً على تاريخ الميلاد مقارنة بموعد انتهاء نظام التقنين.
كما لا يمكن استبعاد تأثير عوامل أخرى، مثل اختلاف الأنظمة الغذائية للأمهات والظروف الاقتصادية والمعيشية التي أحاطت بالأسر في تلك الحقبة.
الحاجة إلى أبحاث أوسع لفهم العلاقة
تفتح هذه النتائج المجال أمام مزيد من الدراسات التي تبحث في العلاقة بين التغذية المبكرة والصحة النفسية على المدى البعيد، خصوصاً الأبحاث التي تعتمد على قياس الاستهلاك الفعلي للسكر خلال الحمل والرضاعة والسنوات الأولى من عمر الطفل.
كما تبرز أهمية متابعة مجموعات سكانية متنوعة للتأكد من إمكانية تكرار هذه النتائج في ظروف وبيئات مختلفة.
وفي الوقت الحالي، لا يمكن اعتبار تقليل السكر خلال الحمل أو الطفولة المبكرة وسيلة مثبتة للوقاية من الاضطرابات النفسية، لكن الدراسة تعزز الاهتمام بالدور المحتمل للتغذية في المراحل الأولى من الحياة في تشكيل الصحة على امتداد العمر.
اخبار سورية الوطن 2_راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
