بقلم :جمعان العمير
إنّ ما شهدناه في مجتمعنا من لغطٍ واسع حول مفهوم “الأكثرية والأقلية” لم يكن يومًا انعكاسًا لطبيعة شعبنا، بل كان صناعة متعمدة لنظامٍ بائد أدرك أن الشعب الموحّد أقوى من أن يُحكم بالخوف، فحوّل مفهومًا سياسيًا أيديولوجيًا بحتًا إلى تصنيف طائفي خطير، ليزرع الشك بين أبناء الوطن الواحد، ويحوّل السياسة إلى خوف، والمواطنة إلى حماية زائفة، والمجتمع إلى مجموعات متقابلة بدل أن يكون نسيجًا واحدًا.
لقد برع هذا النظام المقبور في اللعب على هذا المفهوم، فبدل أن تكون الأكثرية والأقلية توصيفًا سياسيًا يتغير بإرادة الناس وبرامج الأحزاب، جعلها تصنيفًا طائفيًا يهدد وحدة المجتمع، وكأن قيمة الإنسان تُقاس بانتمائه لا بكرامته، وكأن الوطن يُدار بمنطق الأرقام لا بمنطق المواطنة. لكن الحقيقة التي يعرفها كل سوري هي أن هذه اللغة دخيلة على تاريخنا، وأن سوريا لم تُبنَ يومًا على هذا المنطق، بل على التعايش، وعلى روابط الجيرة، وعلى العائلة والقبيلة والمدينة، وعلى قيم الاحترام المتبادل التي سبقت الدولة الحديثة نفسها.
واليوم، ونحن نعيد بناء وعينا الوطني، نقول للشعب السوري بكل فئاته إن هذا المفهوم لا يمثلنا، ولا يعكس حقيقتنا، ولا يليق بتاريخنا. نحن لسنا أكثرية ولا أقلية، نحن شعب واحد، وطن واحد، مصير واحد، نختلف في التفاصيل ونتفق على الجوهر، نتنوع في الانتماءات ونتوحد في الهوية.
إن الدولة الجديدة التي نراها اليوم، بإيمانها العميق بأن المواطنة هي الأساس، لم تكتفِ بتصحيح المفاهيم السياسية، بل أعادت للإنسان السوري قيمته، وكرامته، وانتماءه الحقيقي. لقد عملت هذه الدولة على تعميق الفهم السياسي الصحيح، وعلى إزالة التشويهات التي زرعها النظام البائد، وعلى إعادة بناء العلاقة بين المواطن والدولة على أساس الاحترام لا الخوف، وعلى أساس الشراكة لا التبعية. ولعلّ أكثر اللحظات التي لامست قلوب السوريين كانت حين قال السيد الرئيس أحمد الشرع عبارته التي أصبحت رمزًا لعودة الهوية: “راح يجي يوم يفتخر الشخص بالجواز السوري.” هذه الجملة لم تكن شعارًا، بل كانت وعدًا، وكانت بداية شعور جديد لم نعرفه منذ وُلدنا.
فمنذ عقود طويلة لم يشعر السوري بانتمائه كما يشعر اليوم، ولم يرفع رأسه بوطنه كما يرفعه الآن، ولم يقل بفخر “أنا سوري” كما يقولها بعد 8/12/2024، ذلك التاريخ الذي أعاد ترتيب الوعي، وأعاد تعريف الهوية، وأعاد فتح الباب أمام وطنٍ يُبنى على العدالة لا على الخوف، وعلى المواطنة لا على الطائفية، وعلى الكرامة لا على الشعارات.
اليوم نستطيع أن نقولها بصوت واحد، بلا تردد، بلا خوف، بلا شعور بالنقص: الحمد لله… الفخر لنا كسوريين. نقولها لأننا أخيرًا نرى دولة تحترم شعبها، ونرى مشروعًا وطنيًا يعيد بناء الإنسان قبل الحجر، ونرى مستقبلًا يليق بتضحياتنا، ونرى وطنًا يعود إلينا كما يجب أن يكون. اقولها انا وقولوها جميعًا: أفتخر بأنني سوري. أفتخر بدولتي الجديدة، أفتخر بوعيي الجديد، أفتخر بشعبي الذي نهض من تحت الركام، أفتخر بأننا نكتب تاريخًا جديدًا لا مكان فيه للخوف ولا للفرز ولا للمفاهيم التي زرعها نظامٌ بائد ورحل.وبقي الشعب.وبقي الوطن.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
