حاورها: علي نفنوف
ثمة أشخاص يختارون مهنةً ما، ثم يقضون أعمارهم في الدفاع عنها، وثمة أشخاص تختارهم الكلمات، فيجدون أنفسهم موزعين بين أكثر من طريق، من دون أن يشعروا بأنهم غادروا الطريق الأولى. هكذا تبدو القاصة والشاعرة والمحامية السورية فاطمة حرفوش، امرأةً تحمل في يدٍ ميزان العدالة، وفي اليد الأخرى مصباح اللغة، وتمضي بهما معًا في دروب الحياة الشائكة.
في تجربتها، لا تبدو المحاماة بعيدة عن الشعر، ولا تبدو القصة منفصلة عن القانون. فالكلمة التي تدافع عن المظلوم داخل قاعة المحكمة، هي نفسها الكلمة التي تغادر الأوراق لتبحث عن الإنسان في القصيدة والقصة. وكأن العدالة، حين تعجز عن بلوغ غايتها، تستعير صوت الأدب لتواصل رحلتها.
تقول فاطمة حرفوش إن الإنسان يكتب حين يشعر بأن شيئًا ثقيلًا يستقر في أعماقه، ولا يجد سبيله إلى الخلاص إلا بأن يخرجه إلى النور. ومع تراكم التجارب، وتزايد الأعباء، واتساع دائرة الوعي، تتحول الكتابة من هواية عابرة إلى قدر جميل لا يمكن الإفلات منه.
ولم تكن تجربتها الشخصية بعيدة عن هذا التحول؛ فسنوات الحرب السورية تركت أثرها العميق في روحها، ودفعتها إلى الاقتراب أكثر من الكتابة، باعتبارها وسيلة لمقاومة الخراب، وحفظ الذاكرة، وإعادة بناء الذات.
وترى حرفوش أن الشعر عالم لا يشبه سواه، فمن يدخله يصبح أسيرًا لجماله وسحره. لقد منحها الشعر فضاءً واسعًا للتعبير عن المشاعر والهواجس والأسئلة الكبرى، بينما منحها السرد مساحة أخرى أكثر رحابة، تستطيع من خلالها أن تلاحق التفاصيل الصغيرة، وأن تمنح الحكايات فرصة أكبر للنمو والتشكل.
وحين تسألها عن علاقتها باللغة، فإنها لا تتحدث عن وسيلة للتعبير فقط، بل تتحدث عن كائن حي ينمو ويتطور، ويعيد تشكيل الوعي الإنساني باستمرار. فاللغة، في نظرها، ليست مجرد مفردات وجمل، بل هي ذاكرة وهوية، وحاضنة للثقافة، وجسر يصل الإنسان بالعالم. وفي مراحل معينة من العمر، قد تتحول اللغة إلى وطن كامل.
وفي تجربتها الأدبية، لا تنفصل الذات عن العالم، ولا ينعزل الخاص عن العام. فهي تكتب أحيانًا انطلاقًا من تجاربها الشخصية، وتكتب أحيانًا أخرى انطلاقًا من تأملاتها العميقة في مصائر البشر، وما يعتري العالم من تحولات كبرى. وهي تؤمن بأن الأدب الحقيقي لا يكتفي بالاحتفاء بالجمال، بل يسعى أيضًا إلى الدفاع عن قيم الحق والعدالة والحرية والمساواة.
وربما لهذا السبب تحديدًا، حضرت القضايا الوطنية والإنسانية بقوة في كتاباتها. فالوطن، كما تقول، ليس رقعة جغرافية، إنما هو الدم الذي يسري في العروق، والروح التي ترافق أبناءها أينما ذهبوا. أما الإنسان، فهو الغاية الكبرى، وهو القيمة الأسمى التي ينبغي أن تدور حولها الأفكار والمشروعات والأحلام.
وتبدو الحرب السورية حاضرة بوضوح في هذه التجربة، ليس كحدثٍ عابر، إنما جرحًا مفتوحًا ما زال ينزف حتى الآن. لقد تركت الحرب آثارها الثقيلة في النفوس، وألقت بظلالها على الذاكرة والهوية والحياة اليومية، فكانت الكتابة محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، ومحاولة أخرى لبث الأمل في زمن بدا فيه كل شيء قابلًا للانهيار.
وفي حديثها عن المرأة، ترفض فاطمة حرفوش أن يُحاصر صوت الكاتبة داخل حدود التجربة الأنثوية الضيقة، وتؤكد أن المرأة قادرة على التعبير عن قضايا الإنسان كلها، لأنها جزء أصيل من هذا العالم، وليست هامشًا على متنه.
أما النقطة الأكثر إثارة في تجربتها، فتتمثل في تلك العلاقة الخفية بين الأدب والقانون. فالمحامي، في رأيها، يحمل سلاح الكلمة كما يحمل الشاعر سلاحه. كلاهما يسعى إلى الانتصار للإنسان، وكلاهما يحاول الوصول إلى العدالة، وإن اختلفت الوسائل.
غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن القانون يظل محكومًا بالنصوص والإجراءات والأدلة، بينما يمتلك الأدب قدرة أكبر على مخاطبة الضمير الإنساني، واستنهاض الحس الأخلاقي، وتوسيع معنى العدالة ليشمل المجتمع بأسره.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه في حديثها قولها إن سلطة الكلمة في الشعر تفوق سلطة الكلمة في القانون؛ فالكلمات القانونية قد تبقى حبيسة الأدراج، في حين تستطيع قصيدة واحدة أن تتجاوز الزمن، وأن تعيش في وجدان الناس عقودًا طويلة.
وحين أسألها في نهاية الحوار عن العلاقة بين القلب والعقل، تجيب بأن الصراع بينهما ليس سوى وهم كبير، فالقلب هو الشرارة الأولى، والعقل هو الطريق، وكلاهما يعمل في انسجام كامل، لأن الإنسان لا يستطيع أن يكون إنسانًا إلا بهما معًا.
هكذا تتجلى تجربة فاطمة حرفوش؛ تجربة امرأة لم تفصل بين العدالة والجمال، ولا بين العقل والعاطفة، وآمنت بأن الكلمة، مهما اختلف شكلها، تظل محاولة أخرى للدفاع عن الإنسان.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

