آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » قراءة نقدية في قصيدة “جدتي العاشقة” للشاعر السوري ( علي نفنوف) بعنوان “الحب الفطري لدى جدتي العاشقة”.

قراءة نقدية في قصيدة “جدتي العاشقة” للشاعر السوري ( علي نفنوف) بعنوان “الحب الفطري لدى جدتي العاشقة”.

 

 

بقلم:ناديا عوض

 

 

تقوم قصيدة “جدتي العاشقة” على مفارقة شعرية وفكرية لافتة: امرأة ريفية تبدو بعيدة عن مفردات العشق ومصطلحاته، لكن الحب لديها في اكثر صوره صدقا وفطرية، في حين ان الحفيد ( وهو الكاتب)، الذي ورث عنها الحب يحاول ان يفهمه بالعقل والفلسفة والاسئلة. ومن هنا تتشكل القصيدة من حوار غير مباشر بين جيلين، وبين حب فطري بسيط وحب حديث شديد الوعي بذاته.

 

اولا: البعد السيكولوجي

ينفتح النص على البعد النفسي من خلال المقابلة بين شخصية الجدة وشخصية الحفيد.

فالجدة تمثل حالة من التصالح الداخلي مع الحب؛ فهي لا تحتاج الى تعريفه او تسميته، لانها تعيشه بصورة تلقائية عفوية. تقول القصيدة:

“كانت اذا احبت

خبأت الحب

في صحن الطعام،

وفي رغيف ساخن”

 

الحب عندها ليس حالة كلامية، وانما فعل يومي يمنح الاخر الامان والرعاية. ولذلك يصبح الطعام والرغيف والقهوة لغتها العاطفية البديلة.

اما الحفيد فيمثل الانسان الذي فقد بساطة التجربة واصبح اسيرا للسؤال. فهو لا يعيش الحب كما عاشته جدته، بل يحاول تفكيكه وفهم اسراره:

“وصرت ابحث

لماذا نحب

اذا كان الحب

اجمل الطرق

الى الفقد؟”

وهنا يتحول الحب من حالة وجدانية الى اشكالية نفسية وفكرية. ان الحفيد يحمل في داخله قلق الانسان المعاصر؛ الخوف من الفقد، والحيرة امام العلاقة بين الاقتراب والوحدة، والرغبة في فهم شعور لا يخضع تماما للمنطق.

والعبارة الاكثر دلالة نفسيا:

“لقد ورثت منك

ذلك القلب الفطري

ثم افسدتُه

بالفلسفة.”

انها اعتراف بان الوعي الزائد قد يسلب الانسان شيئا من عفويته. فالجدة تعرف كيف تحب، بينما الحفيد يعرف كيف يسأل عن الحب.

ثانيا: الجدة تجربتها ورؤيتها

تنبع تجربة الجدة من ان الشاعر لا يقدمها بوصفها نموذجا تقليديا للمراة العاشقة، بل يعيد تعريف العشق من خلال تفاصيل الحياة اليومية.

فالجدة لا تعرف “فنون العشق” بالمعنى المتداول، ولا تعتمد على اللغة الرومانسية الجاهزة، وإنما تصنع قاموسها الخاص من الاشياء البسيطة:

النعناع، الحبق، الطعام، الرغيف،الساخن، فنجان القهوة، ومسح التعب عن جبين الجد.

وهذه الرؤية تمنح التجربة صدقها؛ لان الشاعر لا يقول ان الجدة كانت عاشقة فحسب، بل يجعل القارئ يكتشف عشقها من افعالها.

وتبرز فرادة تجربتها ايضا في تحويل الريف الى فضاء عاطفي. فالنعناع والحبق ليسا مجرد نباتات، بل يصبحان ذاكرة حسية مرتبطة بالحب والارض والبيت والدفء.

ومن اجمل ما في التجربة قول الشاعر:

“كانت امية

في لغة القبل…

لكنها

كانت تعرف الحب

دون ان تعرف اسمه.”

وهنا تبلغ المفارقة ذروتها: الجهل بالمصطلح يقابله الامتلاك الحقيقي للمعنى.

 

ثالثا: اللغة والصور الشاعرية

لغة النص تجمع بين البساطة والتكثيف، وهي لغة قريبة من الحياة اليومية، لكنها ترتفع في مواضع كثيرة الى مستوى الصورة الشعرية والفكرة.

يستثمر الشاعر مفردات حسية مالوفة، ثم يعيد تشكيلها شعريا، مثل:

“حفنة نعناع بري

تنام رائحتها

في كف المساء”

فهنا تتحول الرائحة الى كائن قادر على النوم، ويتحول المساء الى كف، في صورة تجمع بين الحسي والتجريدي.

وكذلك:

“وحبقا اخضر

يطل من حواكير القرية

كانه دعاء الارض

حين تحب السماء.”

هذه صورة ذات امتداد رمزي واضح؛ فالارض والسماء تتحولان الى عاشقين، والحبق يصبح دعاء الحب بينهما.

وفي قوله:

“تصلح خراب العالم

بفنجان قهوة”

تتجاوز القهوة وظيفتها الواقعية لتصبح رمزا للحنان والاحتواء. انها صورة تقوم على المبالغة الشعرية التي تجعل الفعل الصغير قادرا على ترميم العالم.

كما تعتمد القصيدة على التكرار، ولا سيما تكرار “جدتي” و”انا”، وهو تكرار يؤدي وظيفة بنائية، اذ يرسخ المقارنة بين التجربتين ويمنح النص ايقاعا داخليا متناميا.

 

رابعا: الرمزية الشعرية

تتأسس رمزية النص على الاشياء البسيطة التي تتحول من موجودات يومية الى علامات دالة.

فالوردة الحمراء ترمز الى الشكل التقليدي المعلن للحب، بينما يمثل النعناع والحبق الحب الفطري المرتبط بالارض والبيت والذاكرة.

اما الرغيف الساخن فيحمل معنى العطاء والدفء، وفنجان القهوة يصبح علامة على الاحتواء والمشاركة، في حين يتحول الطعام الى لغة حب كاملة لا تحتاج الى الكلمات.

وفي المقابل، تظهر الوردة التي يزرعها الحفيد في جرح بوصفها صورة اكثر تعقيدا:

“وصرت…

ازرع وردة

في جرح”

فالوردة هنا لم تعد رمزا للحب وحده، بل للحب الذي يولد من الالم، وللجمال الذي يحاول ان ينبت في ارض الفقد.

 

وهكذا تنتقل الرمزية من عالم الجدة، حيث الاشياء تمنح الطمانينة، الى عالم الحفيد، حيث الاشياء نفسها تدخل في علاقة مع الجرح والسؤال والقلق.

 

خامسا: الفكر الفلسفي

يتحول النص في النصف الثاني من قصيدة عن الجدة والحب الى تأمل فلسفي في ماهية العشق.

فالحفيد لا يكتفي باستعادة تجربة جدته، بل يحاكم تجربته الشخصية من خلالها، ولذلك تتوالى الاسئلة:

“لماذا نحب

اذا كان الحب

اجمل الطرق

الى الفقد؟”

ثم:

“ولماذا

كلما اقتربنا من جسد

ابتعدنا اكثر

عن وحدتنا؟”

هذه الاسئلة تمنح القصيدة عمقا يتجاوز الغزل المباشر. فالحب عند الشاعر مرتبط بالمفارقة الانسانية الكبرى: نحن نقترب من الاخر بحثا عن الاكتمال، لكننا قد نكتشف في لحظة الاقتراب قيمة وحدتنا.

كما يقدم النص الحب بوصفه حالة عصية على التفسير:

“انه

المرض الوحيد

الذي نرفض الشفاء منه.”

انها استعارة فلسفية تجعل الحب “مرضا” مرغوبا فيه، لان الانسان لا يريد التخلص منه رغم المه.

 

وفي النهاية يصل الحفيد الى خلاصة معرفية:

“فيلسوف عشق يؤمن

ان اعظم ما في الحب

اننا لا نستطيع

ان نفسره.”

 

وهنا تكمن المفارقة المركزية في القصيدة: محاولة تفسير الحب تنتهي الى الاعتراف باستحالة تفسيره.

سادسا: الختام

ياتي الختام منسجما مع المسار النفسي والفكري للقصيدة. يبدأ النص بالجدة التي “تعرف الحب دون ان تعرف اسمه”، وينتهي بالحفيد الذي صار “فيلسوف عشق” يدرك ان اعظم ما في الحب هو عجز العقل عن الاحاطة به.

 

وبذلك تعود القصيدة، في نهايتها، الى بدايتها ولكن على مستوى اعمق.

فالجدة لم تكن بحاجة الى الفلسفة لكي تحب، والحفيد احتاج الى الفلسفة لكي يصل الى النتيجة التي كانت جدته تعرفها بالفطرة.

وهذه هي المفارقة الاجمل في النص: الحفيد الذي ظن انه تمرد على جدته، اكتشف في النهاية انه عاد اليها فكريا؛ فقد افسَد القلب بالفلسفة، ثم اعادته الفلسفة الى فطرته الاولى.

ان “جدتي العاشقة” ليست قصيدة عن الحب فحسب، بل عن تحولات مفهوم الحب بين الاجيال، وعن المسافة بين ان نعيش التجربة وان نحاول تفسيرها، وعن انتصار الفطرة في النهاية على فائض الاسئلة.

ومن هنا تبدو الجدة اكثر من شخصية في القصيدة؛ انها رمز للحكمة التي لا تحتاج الى المعرفة النظرية، وللحياة حين تكون صافية بما يكفي لكي تقول الاشياء الكبرى بافعال صغيرة.

اما الحفيد، فهو صورة الانسان المعاصر الذي يمتلك كثيرا من الاسئلة، لكنه يبحث في اعماقه عن تلك البساطة القديمة التي كانت جدته تملكها دون أن تعرف انها الفلسفة…

(أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عمرو دياب يستعيد أجواء الثمانينيات بصورة أرشيفية حقيقية.. «أصل الترند»

استعاد الفنان المصري عمرو دياب أجواء بداياته الفنية بصورة من أرشيفه القديم، تزامنًا مع انتشار «ترند الثمانينيات» على مواقع التواصل الاجتماعي، ليجذب اهتمام جمهوره الذي ...