بقلم: ختام علي
للأسف، لا يزال كثيرون لا يطبّقون هذه المقولة، فعلى الرغم من الانفتاح والتطور والتحضّر الذي يشهده العالم، ما زال مجتمعنا يعاني من ضعف احترام الآخرين وحقوقهم، ولا سيما حقهم في الراحة والهدوء داخل منازلهم.
ففي مدينتنا طرطوس ، كما في مختلف مدن سورية الحبيبة، لا تزال هناك ظواهر قديمة تتجدد، وأخرى مستحدثة، باتت تشكّل مصدر إزعاج وقلق للأهالي، وتؤثر في حياتهم اليومية وراحتهم. ومن أبرز هذه الظواهر:
أولاً: الدراجات النارية وأصوات الضجيج
لم تعد الدراجات النارية في الشوارع وسيلةً للتنقّل والعمل فحسب، بل تحوّل بعضها إلى وسيلة للاستعراض وإصدار الأصوات المزعجة، ولا سيما في الأحياء السكنية وأمام المدارس.
نحن مع كل من يسعى إلى كسب قوت يومه وتأمين احتياجات أسرته، ونحترم حق الجميع في العمل، لكننا في المقابل نرفض أن تتحوّل هذه الوسائل إلى أدوات للاستعراض وإزعاج الآخرين، وتعريض سلامتهم للخطر.
ولا يقتصر الأمر على الدراجات النارية، بل يشمل أيضاً أصوات الأغاني المرتفعة الصادرة عن السيارات أو المقاهي القريبة من المباني السكنية، وكأن أصحابها ينسون أن بين جدران هذه المنازل طلاباً يحتاجون إلى الهدوء للدراسة، ومرضى يحتاجون إلى الراحة، وأطفالاً لا يحتملون الضجيج، وأشخاصاً لهم الحق في الاستمتاع بالسكينة داخل بيوتهم.
فليس من حق أحد أن يفرض ضجيجه على الآخرين، أو أن يجعل راحته الشخصية على حساب راحتهم.
ثانياً: الاحتفالات في الشوارع… فرحٌ يتحوّل إلى إزعاج
إن الاحتفال بالنجاح أو إقامة الأعراس أو استقبال العام الجديد مناسبات تحمل الفرح لأصحابها، ومن حق الجميع أن يعبّروا عن سعادتهم ويشاركوا الآخرين أفراحهم. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحوّل هذا الفرح إلى مصدر إزعاج للآخرين، من دون مراعاة لظروفهم وحقوقهم.
ففي كل مناسبة، نرى أحياناً أشخاصاً ينزلون إلى الشوارع، فتبدأ العراضات والألعاب النارية ذات الأصوات القوية وقرع الطبول، وقد يستمر ذلك إلى ما بعد منتصف الليل، في مشهد يفتقر إلى مراعاة حرمة الأحياء السكنية وراحة سكانها.
هذه الأصوات لا تزعج الجيران فحسب، بل قد تُخيف الأطفال، وتؤذي المرضى، وتحرم الطلاب من التركيز والدراسة، وتقلق راحة كثيرين ممن لا ذنب لهم سوى أنهم يسكنون بالقرب من مكان الاحتفال.
ومن حقنا أن نتساءل: هل هناك ضوابط تنظم إقامة مثل هذه الاحتفالات في الشوارع؟ وهل تُراعى حقوق السكان وسلامتهم عند إقامتها؟
إن مثل هذه الاحتفالات ينبغي أن تُقام في الأماكن المخصصة لها، كصالات الأفراح وغيرها من المواقع المناسبة، بعيداً عن إزعاج سكان الأحياء السكنية، مع الالتزام بالقوانين والضوابط التي تنظم استخدام مكبّرات الصوت والألعاب النارية.
لقد فرحنا بمنع إطلاق النار في المناسبات، حفاظاً على أرواح الناس وسلامتهم، لكننا فوجئنا بأن بعض مظاهر الإزعاج حلّت محلّه، من خلال الألعاب النارية ذات الأصوات القوية وقرع الطبول في الشوارع.
نحن لسنا ضد الفرح، ولا ضد الاحتفال بالمناسبات السعيدة، بل ضد المبالغة التي تحوّل الفرح إلى مصدر خوف وإزعاج للآخرين.
فمن حقك أن تفرح، لكن ليس من حقك أن تحرم غيرك من الراحة والطمأنينة.
ثالثاً: حوادث متزايدة وازدحام خانق… ما الأسباب؟ وما الحلول؟
تعاني مدينتنا، على الرغم من صغر مساحتها، من ازدحام مروري متزايد، لم تعد شوارعها قادرة على استيعاب الأعداد الكبيرة من السيارات، الأمر الذي ينعكس سلباً على حركة السير ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
وقد أسهم انخفاض أسعار السيارات في زيادة أعدادها، حتى باتت بعض الأسر تمتلك أكثر من سيارة، ما أدى إلى تفاقم الازدحام المروري، ولا سيما في الشوارع الضيقة والأحياء المكتظة.
ولا تقتصر المشكلة على كثرة السيارات، بل تتفاقم أيضاً بسبب قيادة بعض الشبان الذين لم يبلغوا السن القانونية للسيارات والدراجات النارية داخل الأحياء السكنية وفي الأسواق، الأمر الذي يشكّل خطراً على حياتهم وحياة الآخرين، ويزيد من احتمالات وقوع الحوادث.
إن هذه المشكلة الحقيقية تستدعي تدخلاً جدياً من الجهات المعنية، من خلال تطبيق القوانين، ومنع القيادة من دون السن القانونية أو من دون الحصول على التراخيص اللازمة، وتنظيم حركة السير، ومراقبة المخالفات، واتخاذ الإجراءات التي تضمن سلامة المواطنين.
فالأمر لا يتعلق بالازدحام وحده، بل بأرواح الناس وسلامتهم، وبحقهم في التنقّل بأمان، والعيش في بيئة هادئة بعيداً عن القلق والخطر.
أخيراً… لا قانون يردع ولا أخلاق تمنع، فما الحل؟
إن احترام الآخرين ليس تفضّلاً منا عليهم، بل هو واجب أخلاقي وحق متبادل، وأحد أهم مظاهر الوعي والتحضّر في المجتمع.
فحرية الإنسان لا تعني أن يفعل ما يشاء من دون مراعاة لحقوق غيره، بل تعني أن يمارس حقوقه ضمن حدود لا تتعدّى على حقوق الآخرين، وأن يدرك أن ما يراه هو فرحاً أو تسلية أو حرية شخصية قد يكون، بالنسبة إلى غيره، مصدر خوف أو ألم أو إزعاج.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الجهات المعنية في تطبيق القوانين ومحاسبة المخالفين، إلى جانب مسؤولية المجتمع في نشر ثقافة احترام الآخرين، وتعزيز الشعور بالمسؤولية، والتخلّي عن السلوكيات التي تتعارض مع الحياة المشتركة.
ويبقى السؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح:
إلى أين يتوجّه المواطن عندما تتكرر مثل هذه التجاوزات؟ ومن المسؤول عن وضع حدّ لها وضمان حق الناس في الراحة والأمان؟
نأمل جميعاً أن نجد إجابات واضحة وحلولاً عملية وفاعلة من الجهات المعنية، حلولاً لا تبقى حبراً على ورق، بل تنعكس على أرض الواقع، في شوارع أكثر أماناً، وأحياء أكثر هدوءاً، ومجتمع أكثر احتراماً لحقوق أفراده.
فلنتذكّر دائماً أن الحرية مسؤولية، وأن احترام الآخرين دليل على رقيّ الإنسان ووعيه.
فحريتك حق لك، وراحة الآخرين حق لهم، ولا يجوز أن تكون ممارسة أحدهما على حساب الآخر
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن 
