آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » سجن الوعي

سجن الوعي

 

 

د. سلمان ريا

 

ليس أخطر ما يهدد بلدًا يخرج من سنوات طويلة من الصراع تأخر إعادة بناء مؤسساته، بل دخوله المستقبل بالعقلية نفسها التي صنعت مآسيه. قد تتغير السلطة والوجوه والشعارات، لكن شيئًا جوهريًا يبقى على حاله إذا ظل الخوف يحكم علاقتنا بالدولة، والولاء يتقدم على القانون، والجماعة تتقدم على المواطن.

 

وهنا تكمن إحدى أصعب مسائل التجربة السورية. فقد جعلت سنوات القمع والانقسام وانعدام الثقة الحاجة إلى الأمان مفهومة، لكنها جعلت الخوف قابلًا للاستثمار السياسي. حين يُقال للناس: “إما نحن أو الفوضى”، يصبح الاختيار نفسه موضع شك، ويُطلب من الإنسان أن يثبت انتماءه قبل أن يطالب بحقه. ومع الوقت، لا يعود يبحث عن دولة تحميه بالقانون، بل عن قوة تحميه من الآخرين، حتى لو كانت هذه الحماية مشروطة بالتنازل عن حريته.

 

وهكذا تبدأ الوصاية من الداخل قبل أن تظهر في الخارج. فالإنسان قد يخاف من مسؤولية الاختيار أكثر مما يخاف من الاستبداد، ويفضل قرارًا جاهزًا على مشقة التفكير، أو يمنح جماعته حق احتكار الحقيقة. وليس أخطر ما يُسلب منه لسانه، بل عقله مع بقاء لسانه. أن يتحدث عن الحرية وهو يبحث عن وصي، وعن العدالة وهو يريدها لخصومه فقط، وعن دولة القانون وهو يقبل الاستثناء حين يمس من ينتمي إليهم، يعني أن العقل تحول من أداة لاكتشاف الحقيقة إلى محامٍ عن الخوف والانتماء والمصلحة.

 

ومن هنا يصبح الولاء السياسي امتدادًا طبيعيًا للوصاية. حين تتحول الجماعة إلى مصدر للأمان، يصبح الانتماء إليها معيارًا للحق والباطل، ويغدو تجاوز القانون مقبولًا إذا كان المستفيد من معسكرنا. لكن رفض وصاية الخصوم وقبول وصاية جماعتنا لا يعني رفض الوصاية، بل الرغبة في أن يكون الوصي من طرفنا. وهذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها إذا أردنا فعلًا بناء حياة سياسية مختلفة.

 

لذلك لا يكفي أن نسأل: من يحكم سورية؟ السؤال الأهم هو: كيف ينبغي أن تُحكم، وبأي حدود؟ الدولة القوية ليست تلك التي يحكمها شخص صالح، بل تلك التي لا يستطيع حتى الشخص الصالح تجاوز مؤسساتها. دولة يكون فيها القضاء مستقلًا، والمساءلة ممكنة، والقانون أعلى من الأشخاص، ولا يحتاج المواطن فيها إلى وسيط أو زعيم كي يحصل على حقه.

 

هنا تبدأ المواطنة بمعناها الحقيقي. فالمواطن ليس تابعًا ينتظر الحماية مقابل الطاعة، ولا عضوًا في جماعة تمنحه حقوقه بقدر ولائه لها، بل صاحب حق تضمن الدولة كرامته وحريته ومساواته بالآخرين. والمواطنة ليست مجرد انتماء إلى أرض، بل وعي بأن حقي لا يكتمل إذا كان حق الآخر قابلًا للانتقاص، وأن القانون الذي أحتمي به يجب أن أقبله حين يطال من أحب كما أقبله حين يطال من أختلف معه.

 

إن سورية التي نريدها تحتاج إلى انتقال أعمق من انتقال السلطة، من الخوف إلى الثقة بالقانون، ومن الوصاية إلى المسؤولية، ومن الولاء السياسي إلى المواطنة، ومن انتظار المنقذ إلى امتلاك القرار. فحريتي لا تكتمل بإخضاع غيري، وأماني لا يُبنى على خوف الآخرين، والدولة لا تصبح وطنًا حقيقيًا إلا حين يشعر كل مواطن أن حقه لا يحتاج إلى شفاعة جماعة أو رضا سلطة.

 

أن يرى العقل، لا أن يبرر. وأن يصبح الإنسان مواطنًا قبل أن يكون تابعًا لأي سلطة أو جماعة. هنا يبدأ التغيير الحقيقي.

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الآن، وليس غدًا: أطلقوا منصات المصالحة بين السوريين

  كتب:د.محمد حبش     أناشد الدولة السورية بكل الوسائل، بكل العبارات، وبكل أشكال الرجاء: الآن، الآن، وليس غدًا، أطلقوا منصات المصالحة والاعتراف بين السوريين. ...