آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » أقساط المستقبل  حين يصبح الدَّيْن لغةً للسياسة… فمن يكتب صفحة المستقبل؟

أقساط المستقبل  حين يصبح الدَّيْن لغةً للسياسة… فمن يكتب صفحة المستقبل؟

 

بقلم: المهندس محمود محمد صقر

 

عندما تُنزع عن الدَّيْن أرقامُه الصماء، لا يتبقى منه سوى الزمن؛ زمنٌ يُستعاض به عن الخبز اليومي، وزمنٌ آخَر يُرهَن في غياهب الغد.

 

فلسفيًّا، الدَّيْن ليس حسابًا ماليًّا، بل هو سلبٌ للقدرة على التخيّل. يُخبرنا الفيلسوف فريدريك نيتشه، في بحثه عن الأخلاق، أن كلمة «الذَّنْب» (Schuld) في أصلها اللغوي هي ذاتها «الدَّيْن» (Schulden). الدائن لا يشتري أصولًا فقط، بل يشتري إحساس الشعوب بالذنب الدائم، ليتحوّل المستقبل—الذي هو الفضاء الوحيد للحرية والإرادة—إلى جدول تسديد مُسبق الصنع.

 

حين تُدين الدولة، فهي لا تقترض مالًا من اليوم، بل تبيع غدًا لم يولد بعد.

 

*استعمار الزمن وتفكيك العمارة

 

حين تدخل السياسة محراب الدَّين، تتحوّل الخرائط من أوراق هندسية إلى وثائق ارتهان.

 

في مصر، لا يبدو الأمر مجرد بيع لأصل أو تحرير لسعر صرف، بل هو أشبه بشاعر يضطر لبيع أبيات قصيدته الأخيرة ليدفع ثمن الحبر؛ النيل يتدفق كما كان، لكن الضفاف تتساءل في سرّها: لمن تعود هذه اللفتة اليوم؟

 

وفي الأردن، حيث الصخر والماء والمدى المفتوح، يغدو الدَّين شبيهًا بانتظار المطر في مواسم الجفاف؛ كل قطرة تأتي من الخارج تحمل معها شرطًا صامتًا، حتى يستشعر العابر على خطوط الجغرافيا أن الهواء نفسه مُحصّص بأسعار الخيار والاضطرار.

 

أما في سورية، فاللوحة أشد هولًا وأعمق وجعًا. الحجارة التي سقطت في الحرب لم تكن أساطير من شعر، بل كانت ذاكرة حيّة. وحين يُطرح «الإعمار» كصفقة تمويل، يبرز الخوف من أن يُستبدل الركام بأسمنتٍ غريب، ليصحو المواطن في مدينةٍ أُعيد ترميم جدرانها لكنها فقدت روحها؛ يرى بيته قائمًا، لكنه يسير فيه كالغريب، لأن المفتاح الذهبي للباب الرئيس يبيت في حقيبة مموّلٍ لا يعرف اسم الحارة القديمة.

 

*بين صمت الأرقام وظلال الحجر

 

إنها عمارة الإحباط حين تُبنى طبقةً فوق طبقة:

 

الطابق الأول: احتياجٌ يرتدي ثوب الحكمة الاقتصادية.

 

الطابق الثاني: شروطٌ تصيغ نفسها على هيئة «إصلاحات هيكلية».

 

الطابق الثالث: خفوت تدريجي لصوت الإرادة، حتى ينطفئ السؤال الأصيل: ماذا نريد؟ ليحل محله الصوت المكسور: ماذا يتبقى لنا أن نفعل؟

 

لكن الفلسفة والأدب يجتمعان عند نقطة نور واحدة: هيمنة المال ليست قدرًا محتومًا، بل هي ظاهرة زائلة أمام منطق الإرادة.

 

إن الخروج من صالة «العزاء» السياسية ليس مجرد قرار بالنهوض، بل هو فعل خلقٍ أدبي وهندسي متكامل. ورشة البناء الحقيقية لا تبدأ بسكب الخرسانة، بل تبدأ عندما يجلس الشعب أمام الورقة البيضاء ليكتب بيته بيديه، ويمسك بالقلم ويقول:

 

«قد نكون بحاجة إلى الحجر، وقد نحتاج إلى الساعد، لكن السقف الذي يحمي كرامتنا لن يرتفع إلا إذا كانت زواياه من صنع قرارنا.»

 

هكذا يتحول «دفتر الديون» إلى هامشٍ عابر في تاريخ الأمم، ويبقى «دفتر المستقبل» كتابًا مفتوحًا لا يملك أحدهم حق التوقيع في نهايته… إلا من وضع الحجر الأول عن يقين ورغبة.

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

سوريا على مفترق المصير: إما وطنٌ يجمعنا أو فتنةٌ تلتهم الجميع

    بقلم : جمعان علي العمير   في زمنٍ تتزاحم فيه التحديات وتتعاظم فيه الأخطار، تقف سوريا اليوم أمام اختبارٍ وطني وأخلاقي من أخطر ...