بقلم: المهندس محمود محمد صقر
عندما نقرأ أي خبر، ربما علينا أن نفصل بين أربعة أشياء:
ما حدث.
وما قيل لنا إنه يعنيه.
وما قيل لنا إنه سيؤدي إليه.
وما أصبح مطلوبًا منا أن نقبله خوفًا مما قد يحدث.
فالإعلام لا يحتاج دائمًا إلى صناعة الكذبة؛ أحيانًا تكفيه حقيقة واحدة، يضيء جانبًا منها ويترك آخر في الظل، ثم يمد أمامها طريقًا من الاحتمالات، حتى نصل نحن إلى نهاية لم يصل إليها الواقع بعد.
من هنا يمكن قراءة ما نشرته صحيفة جيروزاليم بوست الإسرائيلية، نقلًا عن مصادر أمنية إسرائيلية، عن إعادة الرئيس السوري أحمد الشرع بناء قدرات الجيش السوري، وصولًا إلى تقدير بأن المواجهة مع إسرائيل «مسألة وقت».
الحقيقة الأولى بسيطة:
سورية تعيد بناء جيشها بعد نحو خمسة عشر عامًا من الحرب.
لكن ماذا لو استبدلنا عنوان:
«الرئيس السوري أحمد الشرع يبني جيشه سرًا… والمواجهة مسألة وقت»
بعنوان آخر:
«سورية تعيد تشكيل جيشها بعد خمسة عشر عامًا من الحرب»؟
الواقعة واحدة، لكن المعنى النفسي تغيّر.
فهناك مسافة بين بناء الجيش، وافتراض سبب بنائه، ثم الجزم بالحرب التي سيخوضها.
والأكثر دلالة في الخبر عبارة: «حرية إسرائيل في العمل».
فالقلق لا يتعلق فقط باحتمال أن تستخدم سورية قوتها ضد إسرائيل مستقبلًا، بل أيضًا باحتمال امتلاكها قدرات ودفاعات جوية تجعل العمل العسكري الإسرائيلي داخل أراضيها أكثر صعوبة.
وهنا ينقلب السؤال:
متى يصبح جيش دولة خطرًا؟ حين يستطيع عبور حدود الآخرين، أم حين يصبح قادرًا على منع الآخرين من عبور حدوده؟
ما قد تراه دمشق استعادةً لقدرتها على حماية سيادتها، قد تراه المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقييدًا لحريتها في العمل.
وميثاق الأمم المتحدة يقوم، من حيث الأصل، على المساواة في السيادة بين الدول، واحترام سلامة أراضيها واستقلالها السياسي.
فالسيادة ليست امتيازًا للأقوى، بل مبدأ يفترض أنه يحمي الجميع.
ومع ذلك، فالصورة ليست عسكرية فقط؛ فبالتوازي مع بناء الجيش، تحدث وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني عن المحادثات الأمنية ووقف الهجمات وبناء الثقة.
إذن، سورية تبني جيشًا وتتفاوض في الوقت نفسه.
والدول قد تبني جيوشها لتخوض الحرب، وقد تبنيها لكي تجعل الحرب أكثر كلفة فلا تقع.
لكن الخبر انتقل من:
يبني جيشًا… قد يستخدمه ضد إسرائيل… المواجهة مسألة وقت.
وهنا انتقلنا من الواقعة إلى تفسير النيات، ومن تفسير النيات إلى كتابة المستقبل.
وهكذا قد يقول طرف:
«أتسلح لأنني أخشى أن تهاجمني.»
فيجيبه الآخر:
«وأستعد لمهاجمتك لأنك تتسلح.»
فيصبح الخوف سببًا للاستعداد، والاستعداد سببًا لخوف جديد، حتى يبدو المستقبل الذي صنعته المخاوف وكأنه كان محتومًا منذ البداية.
فبين ما حدث وما سيحدث مساحةٌ اسمها الاحتمال؛ وهناك تحديدًا تعمل أقوى أدوات التأثير…
حين يتحول الخوف من المستقبل إلى أحد الأدوات التي تصنعه
(أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

