آخر الأخبار
الرئيسية » كتاب وآراء » بين الحرب والسلم والانتخابات وميزان الطاقة: مأزق السياسة الأميركية تجاه طهران

بين الحرب والسلم والانتخابات وميزان الطاقة: مأزق السياسة الأميركية تجاه طهران

 

حسن حردان

 

يعيش المشهد الإقليمي والدولي مرحلة بالغة الدقة والتعقيد، تتسم بتأرجح غير مسبوق بين خيارات التصعيد العسكري والمسارات الدبلوماسية الهشة. فالتذبذب المستمر في قرارات الإدارة الأميركية، ولا سيما في ظل تقلبات مواقف الرئيس دونالد ترامب بين التلويح بالضربات المدمرة والاندفاع نحو الوساطات، كالدور العُماني الأخير، يعكس أزمة أعمق تتعلق بتآكل فاعلية القوة العسكرية المفرطة كوسيلة لإخضاع الخصوم، واصطدامها بجدار صلب من القدرة الإيرانية على امتصاص الصدمات والإبقاء على جبهات الاستنزاف مفتوحة.

 

هذا التخبط لا ينم عن فراغ استراتيجي، بل هو انعكاس مباشر لثلاثة محاور ضاغطة تشكل معًا بوصلة القرار في واشنطن: الهواجس الانتخابية الداخلية، وحساسية أسواق الطاقة العالمية، وهواجس الحلفاء الإقليميين.

 

أولًا: أضلاع الأزمة وتناقضات القرار الأميركي

 

مأزق حرب الاستنزاف واستنفاد الردع

 

أثبتت الجولات الأخيرة من المواجهة أن القوة العسكرية وحدها، مهما بلغت حدتها، عاجزة عن فرض استسلام سياسي على طهران.

 

وفي المقابل، أدركت الدوائر العسكرية، وفي مقدمتها البنتاغون، خطورة استنزاف المخزونات الاستراتيجية من الذخائر المتقدمة وأنظمة الدفاع الجوي، ناهيك عن المخاطر الجسيمة المترتبة على جرّ الإقليم إلى حرب شاملة.

 

وهذا التعادل السلبي هو ما أجبر الإدارة الأميركية على تعليق الغارات والقبول بالدخول في اختبارات تسوية جزئية، أبرزها الترتيبات المتعلقة بتأمين الملاحة في مضيق هرمز عبر الوساطة العُمانية.

 

الاستقطاب الحزبي وضغط القواعد

 

يعكس التذبذب الأميركي انقسامًا حادًا داخل الحزب الجمهوري ومعسكر “أميركا أولًا”. فبينما تضغط القواعد الشعبية والدوائر الاقتصادية لتجنب حروب الخارج، وخفض الإنفاق المالي، وحماية أسواق الطاقة من الهزات، يقف “الصقور” والمحافظون الجدد موقفًا رافضًا لأي تهدئة لا تقوض النفوذ الإيراني بالكامل، معتبرين أن التراجع عن سياسة الضغط الشامل يمثل تنازلًا استراتيجيًا.

 

ويحوّل هذا الصراع الداخلي الإدارة الأميركية إلى أسيرة لردود الفعل المتباينة.

 

حسابات الأسواق والطاقة وضغوط الإقليم

 

تتحكم أسواق النفط العالمية بوصفها “ميزان حرارة” شديد الحساسية لأي تصعيد عسكري في الخليج. فأي اضطراب في مضيق هرمز يعني تلقائيًا قفزة كبيرة في أسعار النفط، تضرب الاقتصاد العالمي وتعصف بشعبية الإدارة الأميركية داخليًا.

 

وفي السياق نفسه، تلعب ضغوط حلفاء واشنطن الإقليميين، القلقين من تداعيات أي حرب مفتوحة على أمنهم واستقرارهم، دورًا مزدوجًا، يتراوح بين المطالبة بردع إيران من جهة، والحث على احتواء التصعيد من جهة أخرى.

 

ثانيًا: الآفاق المستقبلية والسيناريوهات المحتملة

 

في ضوء استمرار هذه المعادلة المعقدة، يمكن قراءة الأفق المنظور من خلال ثلاثة سيناريوهات رئيسية:

 

1- سيناريو “الهدنة الهشة وإدارة التعايش المؤقت” (الأرجح)

 

يقوم هذا السيناريو على استمرار حالة المد والجزر دون الانزلاق إلى مواجهة كبرى، مع التوصل إلى تفاهمات محدودة، وتتويج الوساطات الإقليمية، وفي مقدمتها الوساطة العُمانية، بصيغ تقنية تضمن أمن الملاحة وحركة الطاقة.

 

ويبقي هذا السيناريو فتيل الأزمة مشتعلًا تحت الرماد، حيث تتبادل الأطراف رسائل الردع، بينما يستمر التذبذب الأميركي محكومًا بالاعتبارات الانتخابية والاقتصادية.

 

2- سيناريو “الانفجار المفاجئ وانهيار التسوية”

 

نظرًا لهشاشة التفاهمات الحالية وغياب الثقة المتبادلة، فإن أي احتكاك ميداني غير محسوب، أو ضغط مكثف من صقور الحزب الجمهوري والحلفاء الإقليميين، قد يؤدي إلى نسف مسار التهدئة برمته.

 

وفي هذه الحالة، ستجد الإدارة الأميركية نفسها مجبرة على العودة إلى الخيار العسكري، متجاوزة مخاوف الاستنزاف، بما ينذر بمواجهة إقليمية واسعة النطاق.

 

3- سيناريو “التسوية الكبرى تحت الضغط”

 

وهو سيناريو مستبعد في المدى القريب، لكنه يظل مطروحًا نظرًا لارتفاع كلفة البدائل.

 

ويقوم على إدراك كل من واشنطن وطهران استحالة حسم الصراع عسكريًا، بما يدفعهما إلى تفاوض غير مباشر وشامل يعيد صياغة قواعد اللعبة الإقليمية، على نحو يحفظ ماء وجه القيادة الأميركية، ويضمن لإيران مكاسب أمنية واقتصادية أساسية.

 

خلاصة

 

تخوض الإدارة الأميركية حربًا نفسية وسياسية مع نفسها قبل أن تخوضها مع طهران.

 

فطالما ظلت الحسابات الانتخابية وهواجس أسواق الطاقة هي المحرك الأساسي لسياسات الرئيس ترامب، سيبقى مسار التهدئة محكومًا بالتأرجح والهشاشة، إذ إن عجز القوة العسكرية عن تحقيق الحسم، وغياب الإرادة الحقيقية للتوصل إلى تسوية شاملة، يبقيان المنطقة رهينة معادلة قوامها:”لاحرب واضحة ولا سلم مستدام”

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لمن يخلص السوريون؟

بقلم: عبد الفتاح العوض       كنت أقرأ في كتاب بعنوان فلسفة الولاء… وساءلت نفسي: لمن الولاء عند السوريين في هذه المرحلة؟ وهي، لا ...