عبد اللطيف عباس شعبان
لم تكن الليرة السورية مجرد وسيلة للتبادل، بل كانت لعقود طويلة عنوانًا للاستقرار الاقتصادي وقوة الشراء. وما أشاهده اليوم يدفعني إلى أن أحدث أبناء اليوم وأحفاد الغد عن زمن كانت فيه الليرة السورية ذات قيمة حقيقية، قبل أن تؤدي السياسات الاقتصادية الخاطئة والمتراكمة إلى تراجعها المستمر.
منذ الاستقلال وحتى أواخر ستينيات القرن الماضي، كانت الليرة السورية تتمتع بقوة شرائية كبيرة. فقد كان سعر غرام الذهب عشرات الليرات، وسعر الدولار الأمريكي بضع ليرات فقط، وكانت جميع أجزاء الليرة، من القرش حتى نصف الليرة، متداولة وذات قيمة فعلية.
كان الفرنك (خمسة قروش) يشتري عشر حبات من المصاص أو العلكة، أو خمسين غرامًا من الحمص المالح، بينما كان الفرنكان يشتريان قلم رصاص أو ممحاة أو دفترًا صغيرًا. أما ربع الليرة فكان يكفي لشراء كيلوغرام من التمر، أو وجبة طعام شعبية، أو أجرة سيارة لعدة كيلومترات.
كما كانت أسعار السلع الأساسية متواضعة؛ فسعر الكتاب المدرسي نحو ليرتين، وكيلو الدجاج الحي ليرة وربع، والبيضة سبعة قروش ونصف، وكيلو لحم البقر ليرتين ونصف. وكانت العملات المعدنية جزءًا من الحياة اليومية، حتى إن عازفي الأعراس كانوا يتلقونها بسرور من المحتفلين.
وأذكر، خلال دراستي في جامعة حلب بين عامي 1967 و1971، أن أجرة السفر من طرطوس إلى حلب كانت أربع ليرات، وأجرة النقل الداخلي سبعة قروش ونصف، وكيلو الخبز سبعة قروش، ووجبة الطعام الجيدة ليرة وربع. كما كنت أعمل في العطلة الصيفية بأجر يومي بلغ أربع ليرات ثم خمس ليرات للمساهمة في نفقات الدراسة.
ورغم ضيق الحال، كانت المبالغ الصغيرة تكفي لتلبية احتياجات أساسية. وبعد التخرج عام 1971 بدأت أسدد ديوني، ثم شرعت ببناء منزل متواضع. كان سعر مئة بلوكة إسمنتية ثلاثين ليرة، وكيس الإسمنت المستورد أربعة ليرات ونصف، وكان كيلو حديد البناء بأقل من ليرة واحدة. كما حصلت على قرض من مصرف التسليف الشعبي بقيمة 600 ليرة لاستكمال البناء.
وعندما باشرت عملي الوظيفي عام 1975 براتب شهري قدره 375 ليرة، تمكنت تدريجيًا من تجهيز المنزل بالأبواب والنوافذ والأثاث والأجهزة المنزلية. ولا يزال قسم كبير من ذلك الأثاث قائمًا حتى اليوم، بعد نحو نصف قرن، في دليل على جودة الصناعة آنذاك، وقيمة الليرة التي كانت تتيح للمواطن تكوين منزله من دخل محدود.
وخلال الثمانينيات بدأت أجزاء الليرة تفقد قوتها الشرائية حتى خرجت نهائيًا من التداول، ثم لحقت بها تباعًا الفئات الصغيرة، وصولًا إلى ورقتي المئة والمئتين في السنوات الأخيرة، في انعكاس واضح للتضخم وتراجع قيمة العملة.
وبعد عام من سقوط النظام السابق، اعتمدت الحكومة الجديدة إعادة هيكلة العملة بحيث تعادل كل مئة ليرة قديمة ليرة جديدة، وأصدرت أوراقًا نقدية جديدة، لكنها لم تُعد أجزاء الليرة، كما لم تُصدر بعض الفئات الصغيرة التي تحتاجها التعاملات اليومية، رغم أن مصرف سورية المركزي أعلن أن الليرة السورية تتألف من مئة قرش.
إن نجاح الإصلاح النقدي لا يتحقق بتغيير شكل العملة فحسب، بل بالحفاظ على قوتها الشرائية وتوفير الفئات النقدية التي يحتاجها المواطن في حياته اليومية. لذلك، فإن إعادة إصدار فئات الليرة والليرتين والخمس ليرات، أو الإبقاء على تداول نظيراتها القديمة إلى حين إصدار البدائل، من شأنه أن يسهم في تنشيط الحركة النقدية وتسهيل التعاملات، حتى لو ترتبت على ذلك كلفة إضافية للطباعة، فهي أقل بكثير من الفوائد الاقتصادية التي تحققها.
لقد كانت الليرة السورية يومًا من أقوى عملات المنطقة، واستعادة ثقة المواطن بها تبدأ بسياسات اقتصادية ونقدية رشيدة تعيد إليها استقرارها وقيمتها، لا بمجرد تغيير شكل الأوراق النقدية
*الكاتب: عضو جمعية العلوم الاقتصادية وعضو اتحاد الصحفيين
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
