مالك صقور
كانت الصحافة أولى وسائل الإعلام، ثم تبعتها الإذاعة. وكانت لغة الصحافة رصينة، رزينة، سليمة من اللحن والخطأ.. وكان لا يُسمح إلا للمقتدرين الذين يتقنون اللغة العربية بالكتابة. وبالإضافة إلى ذلك، كان المدقق اللغوي هو المسؤول عن التدقيق، وكان يُحاسب إن سها، أو فوّت أي غلطة. وبالمناسبة، كان من يكتب في الصحافة يتهيب أن يكتب أي شيء، ويتهيب القراء وملاحظاتهم وتعليقاتهم. كذلك الأمر، بعد تأسيس الإذاعة، بقي المذيع ملتزماً باللغة العربية، ولم يُسمح لأي مذيع بالعمل، إلا بعد خضوعه لاختبار باللغة العربية.
وحتى بعد ظهور التلفاز، بقي الحرص على سلامة اللغة شرطاً أساسياً في قبول المذيع واستمراره. ولكن، ولكن، ويا للأسف، بعد حين تمّ التساهل والتراخي وغض النظر، حتى الاستخفاف في هذا الشرط. فدخل عالم الصحافة من دخل من غير مؤهلات، ومن دون تأهيل. كذلك دخل من دخل إلى التلفاز، وقد سُمح بتطعيم اللغة الفصيحة بالعامية، تأثراً بالفضائيات المجاورة وبعض الفضائيات العربية الأخرى. ومما زاد الطين بلّة، كما يقولون، انتشار المسلسلات الدرامية باللهجات المحلية، ولتفريغ مرسوم تمكين اللغة العربية من مضمونه، تمّ تشجيع المسلسلات بلهجة كل محافظة.
ولكن بعد انتشار الحاسوب، وظهور الشابكة العنكبوتية، وانتصار الهواتف النقالة والمحمولة، واستخدام ما يُسمى (الفيس بوك) و(الميسنجر) و(الواتس آب) و(الإنستغرام) إلخ.. صارت الأغلبية ممن يتقنون الكتابة على أجهزة التواصل الاجتماعي “إعلاميين” بلا شهادة وبلا رخصة. وليعذرني القارئ الكريم إذا قلت: العملة الرديئة تطرد الأصيلة.
وأعود إلى الانزياحات في وسائل الإعلام العربي، الذي تأثر بالأجنبي، وتحولات طرأت على الإعلام العربي، جراء طغيان (اللغة السياسية) الموجهة عن قصد. وأذكر بعض الأمثلة:
فيما مضى ولزمن قريب:
كنا نقول ونكتب: الشعب العربي. الآن يقال: الشعوب العربية.
* كنا نقول ونكتب: الوطن العربي. الآن يقال: العالم العربي.
* كنا نقول ونكتب: الثورة الفلسطينية. الآن يقال: السلطة الفلسطينية.
* كنا نكتب ونقول: تحرير كامل التراب الفلسطيني. الآن يقال: التطبيع مع الكيان الصهيوني.
* كنا نقول ونكتب: المقاومة. الآن يقال: الإرهاب.
* كنا نقول ونكتب: يسار ويمين. الآن يقال: صديق وعدو.
* كنا نقول ونكتب: الإمبريالية. الآن يقال: العولمة أو النظام العالمي الجديد.
* كنا نقول ونكتب: التأميم. الآن يقال: الخصخصة والحصحصة.
* كنا نقول ونكتب: الاشتراكية. الآن يقال: اقتصاد السوق.
* كنا نقول ونكتب: الصراع الطبقي. الآن يقال: صراع الحضارات.
أكتفي بهذا القدر، لأقول: إن مهمة الإعلام هي خلق منظومة وعي للناس، تعتمد على منظومة معرفية، تسلح المتلقي بالعلم والمعرفة، وتزوده بالمعلومات والأخبار والأنباء الصحيحة. والآن، يجري العكس، فإمبراطوريات الإعلام الغربي قاطبةً قلبت الحقائق، وعملت على احتلال العقل وغسل الأدمغة. وهذا ما يُسمى بالتضليل الإعلامي.
وسأذكر لكم قصة قرأتُها باللغة الروسية في إحدى صحف موسكو، تلخص كل ما قلته أعلاه:
“في حديقة حيوانات في السويد، أحب طفل أن يلقي الطعام إلى تمساح قريب من السياج الفاصل. وشيئاً فشيئاً اقترب الطفل أكثر من السياج، مطمئناً من التمساح الذي يلتهم ما يلقيه الطفل، وفي غفلة من أم الطفل، وفجأة سحب التمساح الطفل.. وبلمح البصر استطاع سائح رياضي أن ينقذ الطفل من بين فكي التمساح قبل أن يبتلعه. (طبعاً، تأذى الطفل ببعض الجروح).. شكرت الأم هذا الشهم الشجاع البطل الذي أنقذ ابنها من الموت. وكررت شكرها وامتنانها له، وأخيراً، سألته: هل أنت من أبطال السويد؟ فقال المنقذ: أنا روسي من روسيا.
في اليوم التالي للحادثة، نشرت الصحف بالبنط العريض: سائح روسي حَرَمَ تمساحاً من عشائه البارحة في حديقة الحيوانات.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

