آخر الأخبار
الرئيسية » تربية وتعليم وإعلام » من إصلاح المناهج إلى بناء الإنسان: ماذا فعلت فنلندا وسنغافورة وإستونيا..وكيف يمكن لسوريا أن تستفيد من تجاربها ؟

من إصلاح المناهج إلى بناء الإنسان: ماذا فعلت فنلندا وسنغافورة وإستونيا..وكيف يمكن لسوريا أن تستفيد من تجاربها ؟

 

 

نسرين جهاد حسن

 

متابعةً للمقال الذي نشرته في “أخبار سوريا الوطن” في الرابع من آب الماضي تحت عنوان: “الصندوق الأسود للامتحانات في سوريا..!” والذي خلصت فيه إلى القول:

 

قد يظن البعض أن ما أطرحه مجرد أمنيات، لذلك سأخصص المقال القادم لاستعراض تجارب دول نجحت في إعادة بناء تعليمها، مثل فنلندا وسنغافورة وإستونيا، لنثبت أن البديل موجود، وأن إصلاح التعليم يبدأ حين نمتلك الشجاعة لطرح الأسئلة الصحيحة.

 

اليوم أخصص هذا المقال لاستعراض تجارب هذه الدول، وما يمكن أن نتعلمه منها في مسار إعادة بناء التعليم في سوريا.

 

في عالم يتغير بسرعة، لم يعد إصلاح التعليم ترفاً أو خياراً يمكن تأجيله، بل أصبح شرطاً أساسياً لبناء مشروع سوريا الجديدة.

 

فنحن لا نتحدث هنا عن قاعة وسبورة وصفوف مدرسية فحسب، ولا عن ترميم الأبنية أو تغيير الكتب والمناهج. نحن نتحدث عن فلسفة وسياسة واستراتيجيات مترابطة، يقوم عليها كل ما سيأتي لاحقاً من فكر واقتصاد وسياسة وصحة ومجتمع.

 

إنها رؤية متكاملة تبدأ من إعداد إنسان متوائم مع العصر الذي يعيش فيه، وواعٍ بحقوقه وواجباته، وقادر على المشاركة الفاعلة في مجتمعه، ويعكس ذلك أينما وجد وفي أي موقع كان.

 

فبينما تتعثر محاولات الإصلاح في دول كثيرة بسبب الاكتفاء بتغيير المناهج أو الأنظمة، من دون المساس بجوهر العملية التعليمية، تقدم لنا تجارب فنلندا وسنغافورة وإستونيا نماذج مختلفة لإعادة بناء التعليم على مدى سنوات، وبمنهج يقوم على الاستمرارية والتقييم والتطوير.

 

ورغم اختلاف ظروف هذه الدول وثقافاتها وتاريخها، فإن تجاربها تلتقي عند فكرة أساسية:

 

النجاح التعليمي لا يتحقق بإجراء واحد، وإنما بمنظومة متكاملة تبدأ برؤية واضحة، وتنتهي بمدرسة قادرة على إعداد الطالب للمستقبل.

 

فنلندا.. الثقة بالمعلم والاهتمام بالطالب

 

اختارت فنلندا أن تجعل المدرسة أكثر من مجرد مكان لتلقين المعلومات.

 

فالنظام التعليمي يمنح المعلمين والمدارس قدراً مرتفعاً من الاستقلالية في اختيار أساليب التدريس والمواد التعليمية، في مقابل إعداد مهني قوي للمعلم، وثقة كبيرة بدوره ومسؤوليته المهنية.

 

كما أعادت فنلندا تصميم مناهجها بحيث لا تركز فقط على المواد الدراسية، وإنما على مهارات أوسع، مثل التفكير والتعلم، والكفاءة الرقمية، والتفاعل والمشاركة، وريادة الأعمال.

 

وتحرص المدارس كذلك على تنفيذ مشروع أو وحدة تعليمية متعددة التخصصات مرة واحدة على الأقل كل عام، بما يساعد الطالب على الربط بين المعارف بدلاً من التعامل معها باعتبارها مواد منفصلة لا علاقة بينها.

 

واللافت في التجربة الفنلندية أن دعم الطالب يمثل جزءاً أساسياً من النظام التعليمي، من خلال ترتيبات مرنة ودعم فردي ومجموعات صغيرة عند الحاجة، بما يساعد على التعامل مع الفروق بين المتعلمين وتقليل الفوارق التعليمية بينهم.

 

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل التي تقدمها التجربة الفنلندية:

 

لا يمكن بناء تعليم جيد من دون بناء المعلم أولاً، ولا يمكن الحديث عن عدالة تعليمية من دون الاهتمام بالطالب كفرد له احتياجات وقدرات وظروف مختلفة.

 

سنغافورة.. من ثقافة الامتحان إلى التعلم مدى الحياة

 

أما سنغافورة، فقد بنت تجربتها على التخطيط المستمر وربط التعليم باحتياجات المجتمع والاقتصاد.

 

وخلال مسيرة الإصلاح، انتقلت تدريجياً من التركيز الشديد على الاختبارات والنتائج إلى منح مساحة أكبر للتعلم النشط، وتنمية شخصية الطالب ومواهبه، وتوسيع مفهوم النجاح التعليمي.

 

وكان شعار «التدريس أقل، والتعلم أكثر» أحد العناوين البارزة لهذا التحول، في محاولة لجعل المدرسة مكاناً للتفكير والتفاعل والممارسة، وليس مجرد محطة للتحضير للامتحانات.

 

وفي السنوات الأخيرة، واصلت سنغافورة تطوير فلسفتها التعليمية باتجاه أوسع، يقوم على التعلم مدى الحياة، والاعتراف بتنوع المواهب، وتوفير مسارات أكثر مرونة للطلاب، إلى جانب إعداد المتعلمين لعالم يتغير بصورة متسارعة بفعل التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

 

والدرس الأبرز هنا أن الإصلاح لم يكن محاولة لإلغاء أهمية التحصيل الأكاديمي، وإنما إعادة تعريف العلاقة بين الامتحان والتعلم، بحيث لا يصبح الامتحان هو الغاية من التعليم.

 

إستونيا.. عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من المدرسة

 

تمثل إستونيا نموذجاً آخر في إعادة بناء التعليم، إذ جعلت التحول الرقمي جزءاً من استراتيجية تطوير التعليم.

 

وقد ساهمت مبادرات مبكرة، مثل برنامج Tiger Leap، في إدخال الحواسيب والإنترنت إلى المدارس، لتصبح التكنولوجيا لاحقاً جزءاً من البنية الأساسية للعملية التعليمية.

 

لكن التجربة الإستونية لم تتوقف عند الرقمنة.

 

ففي العام الدراسي 2025/2026 بدأت البلاد تطبيق إصلاح يرفع الالتزام بالتعلم حتى سن الثامنة عشرة، مع التركيز على الحد من التسرب وتوفير مسارات أكثر مرونة في التعليم العام والمهني.

 

وفي خطوة تعكس توجهها نحو المستقبل، أطلقت إستونيا أيضاً برنامج AI Leap لتوفير أدوات الذكاء الاصطناعي للطلاب والمعلمين، وتعزيز قدرتهم على استخدامها في التعلم.

 

وهنا نصل إلى نقطة مهمة:

 

التكنولوجيا لم تكن في التجربة الإستونية بديلاً عن التعليم، وإنما أداة في خدمة التعليم.

 

وهذا فرق جوهري بين أن نضع التكنولوجيا داخل المدرسة، وبين أن نعيد بناء المدرسة بحيث تعرف كيف تستخدم التكنولوجيا لصالح المتعلم.

 

*ماذا يمكن أن نتعلم في سوريا من هذه التجارب؟

 

لا تقدم لنا فنلندا أو سنغافورة أو إستونيا وصفة جاهزة يمكن نقلها كما هي إلى سوريا أو إلى أي دولة أخرى.

 

فالأنظمة التعليمية لا تنجح بالاستنساخ، وإنما عندما تنطلق من احتياجات المجتمع وثقافته وظروفه وإمكاناته وأهدافه المستقبلية.

 

لكن التجارب الثلاث تكشف عن مجموعة من المبادئ المشتركة التي تستحق التأمل:

 

* رؤية طويلة الأمد لا تتغير بتغير الأشخاص والوزراء.

* الاستثمار في المعلم وتأهيله ومنحه مساحة من الثقة والمسؤولية.

* تطوير المناهج باستمرار بدلاً من التعامل معها باعتبارها وثائق ثابتة.

* الاهتمام بالفروق الفردية وعدم افتراض أن جميع الطلاب يتعلمون بالطريقة نفسها.

* توسيع مفهوم النجاح التعليمي بحيث لا يختزل في العلامة والامتحان.

* ربط التعليم باحتياجات المجتمع والمستقبل من دون تحويل المدرسة إلى مجرد أداة لسوق العمل.

* الاستفادة من التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي باعتبارهما أدوات، لا أهدافاً بحد ذاتها.

* والأهم: الاستمرارية والتقييم وتصحيح المسار.

 

لقد تعاملت هذه الدول مع إصلاح التعليم باعتباره مشروع دولة ومجتمع، وليس مشروع وزير أو حكومة، ولذلك احتاج إلى سنوات طويلة من العمل والتطوير والمراجعة.

 

وهذه ربما هي النقطة الأكثر أهمية بالنسبة إلى سوريا اليوم.

 

فإعادة بناء التعليم ليست قراراً إدارياً يصدر من وزارة، ولا تعديلاً سريعاً على كتاب مدرسي، ولا عملية ترميم لمدرسة متضررة.

 

إنها، قبل كل شيء، إعادة بناء للإنسان الذي نريد أن يعيش في سوريا المستقبل.

 

والسؤال الذي يسبق كل الأسئلة

 

كنت دائماً على قناعة بأن إعادة بناء التعليم تبدأ من سؤال بسيط لكنه حاسم:

 

ماذا نريد من التعليم؟ ولماذا نُعلّم؟

 

وأي إنسان نريد أن تخرجه المدرسة إلى المجتمع بعد عشر سنوات؟ وبعد عشرين سنة؟

 

لكنني أدركت مؤخراً أن الحالة السورية تحتاج إلى ما هو أعمق من ذلك.

 

نحن بحاجة إلى إعادة تعريف التعليم نفسه.

 

ما هو التعليم؟

 

قد يبدو السؤال بسيطاً، لكنه في الحقيقة سؤال تأسيسي؛ لأن الإجابة عنه ستحدد لاحقاً شكل المدرسة، ودور المعلم، وطبيعة المناهج، وطريقة التقييم، ومفهوم النجاح، وعلاقة الطالب بالمعرفة، بل وستساهم في تشكيل ثقافة المجتمع بأكمله.

 

لن تتمكن سوريا من المضي قدماً في بناء نظام تعليمي جديد ما لم تجب أولاً عن هذا السؤال.

 

فلم يعد مجدياً أن نجهز المدارس، ونرمم الصفوف، ونغير المناهج، ونحدث الأنظمة، من دون أن نعرف حقاً: هل ما نقوم به هو “تعليم” أم مجرد إدارة لعملية مدرسية؟

 

وهنا تبدأ القضية الحقيقية.

 

ما هو التعليم؟

 

عن هذا السؤال، وعن الفرق بين أن نُدرّس الإنسان وأن نُعلّمه، سأجيب في مقالي القادم.

 

يتبع…

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مجلة«الاقتصادية» تنطلق رسمياً لتقديم بيانات وتحليلات تدعم القرار الاقتصادي في سوريا

  أطلقت مؤسسة الوحدة للصحافة والطباعة والنشر والتوزيع مجلة “الاقتصادية” في حفل رسمي برعاية وزارة الإعلام، اليوم الأحد، وحضور رسمي وممثلين عن البعثات الدبلوماسية والفعاليات الاقتصادية والتجارية، ...